أعلن رئيس رابطة الأساتذة في التعليم الثانوي الرسمي، عبدو خاطر، توقيع عقد مع شركة "ماستركارد"، تُصدر بموجبه بطاقة ائتمانيّة خاصة بأعضاء الرابطة، تحتوي على قرض ائتماني وتأمين ضد حوادث السفر ومزايا أخرى.


كان يمكن هذا الإعلان أن يمرّ مروراً عابراً لولا أن خاطر وضعه في خانة "الإنجازات" التي عملت الرابطة على تحقيقها: "في هذا الجو المقفل الذي عشناه على مدى سنتين بسبب الفراغ الرئاسي والجمود التشريعي والتأزم الحكومي، إضافة إلى الوعود التي أعطيت لنا منذ خمس سنوات وما زالت، ولم يتحقّق منها شيء"، حسبما قال. وهذا ما دفع نقابيين كثراً إلى التعبير عن ملاحظات جمّة:
أولاً ــ تمثّل الرابطة زبوناً مهمّاً للشركة، إذ تضم نحو 4300 أستاذ/ة، يمثلون شريحة أساسية من شرائح الطبقة الوسطى المستهدفة في برامج القروض المخصصة لزيادة الاستهلاك والتشجيع عليه.


الفقاعة ستنفجر عندما لا تستطيع المصارف تحصيل الديون

ولذلك، تدفع الشركة في الأحوال العادية عمولات مهمّة لاجتذاب زبائن كهؤلاء. هذا لا يعني بالضرورة أن هناك من استفاد من عمولات (مع أن السؤال مشروع)، وإنما يعني أن تصوير العقد بين الشركة والرابطة/الزبون، كما لو أنه إنجاز نقابي يهدف إلى تحقيق مكاسب للأساتذة، هو عمل مشين، فالشركة تجني أرباحاً طائلة من اقتناص هذا النوع من الزبائن وإيقاعهم في فخ الديون الاستهلاكية السهلة التي تعد الأكثر كلفة بين أنواع الديون الأخرى.
ثانياً ــ البطاقة الائتمانية هي بطاقة تحتوي على دين يترتب على حاملها ضمن سقف معين وبفائدة مرتفعة جداً تبلغ 17%، بحسب ما صرّح به خاطر نفسه، وهي لا تختلف عن أي بطاقة ائتمانية يحملها نحو 556 ألف شخص في لبنان، من ضمنهم مئات أساتذة التعليم الثانوي. ويمكن أي شخص لديه حساب مصرفي ودخل مستقر أن يحصل على بطاقة ائتمانية من المصرف الذي يتعامل معه، وسيكون المصرف مسروراً جداً وسيعطيه كل الإغراءات كي يصرف عبر هذه البطاقات نظراً إلى معدّل الربح المرتفع عليها. يكفي تتبع الإعلانات على الطرقات والمطبوعات وشاشات التلفزيون حول النقاط والحسومات والامتيازات في المطارات... من أجل الترويج لهذا النوع من البطاقات. فأين الإنجاز؟
معظم الأساتذة لا يملكون حتى الآن تفاصيل هذا "الإنجاز". لم يفهموا لماذا هذه البطاقة وما الذي يميزها عن باقي بطاقات الائتمان في السوق، وما قالوه كان مجرد تكهنات. فمنهم من قال: "الهيئة انها بطاقة من يلي بتقدمها البنوك للمستفيدين لتسهل لهم الاستدانة بواسطتها". وبعضهم سأل: "ألا يكفينا توطين رواتبنا وما فيه من نهب وسرقة؟ هل هذه البطاقة بديل لسلسلة الرواتب؟ وهل تحولت الرابطة إلى جهة تسويقية لخدمة مدفوعة سلفاً، وهل سيعود ذلك بالنفع على ماليتها بحيث تكون شريكة في الأرباح؟". آخرون كانوا أكثر براءة فعلقوا بالقول: "شو المشكلة إذا كانت تتيح للأستاذ الاحتفاظ بأموال في جيبه، باعتبار انو منضلنا منتوفين، لننتظر ولنرَ ما هي التسهيلات المالية التي تقدمها، ربما كانت أفضل من البنوك". لكن ثمة من رأى أنّ هذا "النتف" سببه هذه القروض بالذات.
الأساتذة ليسوا وحدهم من لم يفهموا، فهناك أيضاً أعضاء في الهيئة الإدارية للرابطة لم يكن لديهم علم بالمشروع، رغم أنّ خاطر يقول إنّ التوقيع مع "ماستركارد" لم يحصل إلّا بعد اجتماعات طويلة وحيازة العرض موافقة الرابطة بكامل أعضائها، وأعلن أن موظفي الشركة سيزورون كل الثانويات ليشرحوا للأساتذة كل التفاصيل.
يسرد خاطر ما يعتبره امتيازات وفوائد، علماً أنها تنطبق على أكثرية البطاقات المسوق لها: البطاقة مقبولة في أكثر من 220 بلداً ولدى أكثر من 50 مليون تاجر وصرّاف آلي في لبنان والعالم ولدى معظم السفارات وتسمح بالدخول مجاناً إلى صالات مطارات محددة، تُعطى مجاناً ولمدى الحياة لحامل بطاقة الرابطة فقط (بطاقة تعريف يحملها كل أستاذ تعليم ثانوي رسمي في الملاك وعدد هؤلاء نحو 4300 أستاذ)، تحوي قرضاً ائتمانياً لجميع أعضاء الرابطة يتناسب مع الدرجة الوظيفية للأستاذ ولا يترتّب على أيّ منهم فتح أيّ حساب مصرفيّ، تؤمن تغطية بقيمة 150 ألف دولار أميركي ضد حوادث السفر و25 ألف دولار أميركي للحوادث الصحيّة خلال السفر، يستردّ حامل البطاقة %0,5 من قيمة العمليّة الشرائيّة كل مرة تستعمل فيها البطاقة في المحلات التجاريّة وكذلك %0,5 للرابطة للمساهمة بتمويل صندوقها.

تمثّل الرابطة زبوناً مهمّاً للشركة، إذ تضم نحو 4300 أستاذ/ة


لكن ألا تزيد الديون والاستهلاك؟ يقول خاطر إنها اختيارية وليست إلزامية، وبإمكان حامل البطاقة تسديد المبلغ الذي صرفه من القرض خلال الشهر نفسه بلا أي فائدة، فيما تصل الفائدة في حدها الأقصى إلى 17%. يستدرك: "لا تختلف هذه البطاقة عن باقي البطاقات الائتمانية التي يحملها كل الأساتذة، وهنا على الأستاذ أن يكون سيد نفسه وقادراً على السيطرة على وضعه فلا يجعل الديون تتراكم عليه". ينفي أن تكون بديلاً من سلسلة الرواتب واستعادة الموقع الوظيفي، "ما نسينا مطالبنا بس عم نجرب نعمل شي للأساتذة في ظل هذا الجو المقفل والوقت الضائع".
بالنسبة إلى القيادي في التيار النقابي المستقل جورج سعادة، ليست هذه البطاقة سوى دين إضافي على الأستاذ بفائدة كبيرة، علماً أنّ الموظفين يتلقون يومياً عشرات العروض المماثلة من البنوك التي تسعى إلى توظيف أموالها المتراكمة بسبب الركود الاقتصادي. ينفي أن تكون هذه مهمة النقابات، فمفهوم العمل النقابي هو النضال من أجل الحقوق المسلوبة التي لها أسبابها المتمثلة في سياسات السلطة الاقتصادية والاجتماعية والمطالبة بتغيير هذه السياسات المولدة للإفقار وليس مداواة نتائجها وترك أسبابها. يقول إنّ "المطلوب معالجة المرض لدى المريض وليس إعطاء مخدر لتخفيف وجعه وصراخه".
الفقاعة ستنفجر يوماً ما عندما لا تستطيع المصارف تحصيل الديون، هذا ما يقوله الباحث الاقتصادي رضا حمدان. بحسب حمدان، لدى المصارف المتغلغلة في كل المجالات فائض مالي كبير، وهي تريد بكل الطرق والوسائل زيادة القروض للاستهلاك: قروض شخصية، قروض لعمليات التجميل، والبطاقات... وكلها لا تطاول القطاع الاقتصادي المنتج والاستثمارات وتخلق مديونية عالية لدى الأسر، والنتيجة: قروض أكثر، ديون أكثر، قتال أقل من أجل الحقوق".
الوزير السابق شربل نحاس، رأى أنّه نوع من التخدير والاستغلال المصرفي لتشجيع ذوي الدخل الثابت تحديداً على مراكمة الديون بدلاً من الحصول على رواتب عادلة. هي ليست قضية بنيوية تستدعي التعليق عليها، كما يقول، بل صغيرة متل قياس هالنقابات التي باتت تعتبر أن مثل هذه العملية التجارية السخيفة والتافهة إنجاز.