الاجواء السلبية التي طغت مجددا على الساحة السياسية لم تقتصر على موضوع تأليف الحكومة، لانها اعادت مجددا فتح الملفات السياسية الشائكة دفعة واحدة. واضاءت كذلك على جوهر المشكلة العالقة بين فريقي 8 و14 آذار، برغم المحاولات التي صُوّرت اخيرا على انتهاء هذين المحورين واختلاط اوراقهما.


الواقع ان ما جرى في الساعات الاخيرة، وعكس احتمالات سوداوية في شأن بداية العهد الجديد، الى حد قول اكثر من سياسي امس انه بدأ حيث انتهى عهد الرئيس ميشال سليمان، ما خلق ارباكات كثيرة حول الاحتمالات التي تواجهها القوى السياسية، وفي مقدمها الرئيس المكلف سعد الحريري، ولا سيما ان معنيين مباشرين بتأليف الحكومات السابقة، حرصوا في اليومين الماضيين على ترداد ان ما يجري من مفاوضات سقفه محدود لانه يرتبط مباشرة بأمرين: موقع رئيس الجمهورية، وقانون الانتخاب. وقد اثبتت وقائع الايام الاخيرة جدية الاحتمالات التي تؤشر الى مأزق فعلي، أُلّفت الحكومة ام لم تؤلّف.


طرح النسبية يضع العصي في دواليب الحكومة قبل تأليفها ويضيف الى مشاكلها


فرئيس الجمهورية الذي انطلق في عملية المشاورات الحكومية من موقع امتلاكه الكلمة الاولى والاخيرة في التأليف، بات في الساعات الاخيرة وكأنه في موضع ارباك، ليس بسبب اعتراض الحريري على اسماء رشحها عون للتوزير، بل لأن عملية التشكيل الفعلية انتقلت الى الرئيس نبيه بري، الذي بث الروح مجددا في قوى 8 آذار، واعاد تجميع قواها في الحكومة التي يريد رفع عددها الى ثلاثين، لابقاء كفة هذه القوى مرجحة في المجلس، او على الاقل لبقائها جبهة اعتراضية داخل مجلس الوزراء. اضافة الى انه استعاد مركزه مفاوضا اول، بعدما كانت المشاورات شبه منتهية بين بعبدا وبيت الوسط.
واذا كان السؤال الذي طرح امس: هل يرمي تطويق الحريري بمجموعة من الشروط والمطالب الجديدة، الى احراجه ومن ثم اخراجه، فان السؤال الثاني الاكثر دقة: هل ما يحصل يجري بموافقة رئيس الجمهورية وعلم رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل، الذي كان حريصا على نسج افضل العلاقات مع الحريري وفريقه، في وقت بدأت فيه اصوات اعتراضية داخل المستقبل حول الاسلوب الذي يجري التعاطي به مع الحريري في خضم لائحة الشروط التي تبرز يوميا وتوضع امامه. علما ان اي تأخير اضافي في عملية تأليف الحكومة، سيُضعف رصيد العهد ورئيسه في شكل اساسي، بعدما بدأت المقارنة بين الفارق بين مرحلة الشغور، التي كانت الحكومة تجتمع خلالها وتقوم القيامة ان لم تجتمع لاسبوع واحد، ومرحلة انتخب فيها رئيس للجمهورية مع كل الاحتفالية التي طبعت أيامه الاولى، لكن من دون حكومة تسيّر الشؤون التنفيذية للحكم، ما بدأ يثير تململاً مبكراً.
لكن تطويق الحريري بلائحة الشروط الحكومية، يظل أيسر بحسب احد السياسيين من تفجير المشكلة معه من باب قانون الانتخاب على اساس النسبية في لبنان دائرة واحدة او دوائر موسعة، وخصوصا ان «اتفاق جميع القوى السياسية على قانون انتخاب اصعب بكثير من الاتفاق على الاتيان برئيس الجمهورية». فاذا سلمنا جدلا بان بري وحزب الله لا يناوران بالنسبية ويريدان هذا القانون ويرفضان غيره، فان طرحه في لحظة تأليف الحكومة، بعدما كثرت العقد امام الرئيس المكلف، مع علم بري وحزب الله بمعارضة الحريري التامة له وكذلك النائب وليد جنبلاط والقوات اللبنانية، فهذا يعني وضع العصي في دواليب الحكومة قبل ان تؤلف، واضافة مشكلة جديدة الى تلك التي تواجهها حاليا.
من هنا كان التداول في اوساط سياسية امس بسيناريو قد يكون الاقرب الى الواقع، اذا استمرت محاولات التعطيل ووضع الشروط التعجيزية، يشبه ما حصل عام 2005 بعد استقالة الرئيس عمر كرامي. وللتذكير فان ادارة الرئيس جورج بوش في حينه وكل الادارات الاوروبية، ضغطت في شكل كبير لاجراء الانتخابات النيابية مهما كان الثمن وفي ظل اي قانون ولو كان قانون عام 2000، ورغم ان المتقدم حينها كان قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري قانون الستين. وفيما كانت القوى السياسية الموالية لسوريا ترفض اجراء الانتخابات الا بعد الاتفاق على قانون انتخابي جديد وتأليف حكومة وحدة وطنية، الا ان الضغط الدولي، ادى في حينه الى تأليف حكومة «انتقالية» مصغرة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي من غير المرشحين، هدفها الاشراف على اجراء الانتخابات النيابية بقانون عام 2000.
هذا السيناريو يبدو اليوم الاكثر قابلية للحياة، اذا استمرت محاولات تعطيل رئاسة الحريري للحكومة وتأليفه لها، بما يضمن له حكومة مريحة لا حكومة تنفجر عند اول احتكاك بين جبهات بدأت تضع منذ الآن متاريسها قبل الدخول الى مجلس الوزراء. اذ يمكن للحكومة الانتقالية المصغرة، في ظل الضغط الدولي، ان تجري الانتخابات مع تعديل المهل المتعلقة بدعوة الهيئات الناخبة، على ان يبحث المجلس النيابي الجديد والحكومة التي تنتج منه قانون الانتخاب الجديد. لان ما لم ينجز في السنوات الماضية من اتفاق على قانون انتخاب لن ينجز في الاشهر القليلة الباقية. ولان الاهم اليوم اجراء انتخابات نيابية بالتي هي احسن كما جرى عام 2005.