تقاس قوة الهزات والزلازل على مقياس وضعه العالم «شارل ريختر» في أوائل القرن العشرين لقياس قوة الهزة والطاقة التي تحملها.


الهزات الأرضية والزلازل هي الظاهرة الطبيعية نفسها مع فارق وحيد في قوتها، إذ إن الزلازل هي عبارة عن هزات قوية تزيد قوتها على 6 على مقياس ريختر، وأما تلك التي تراوح قوتها بين 1 و 6، فتُعَدّ هزات خفيفة. ورغم أن الزلازل الكبرى، التي تزيد قوتها على 9 على مقياس ريختر ويمكن أن تؤدي إلى تدمير تام لمساحات واسعة سطح الأرض، لا تحصل إلا مرات قليلة كل بضعة عقود، إلا أن الزلازل المتوسطة تحصل بمعدل عشرات المرات سنوياً، فيما تحصل الهزات الصغيرة آلاف المرات يومياً في مختلف أنحاء العالم دون أن يشعر بها أحد سوى آلات الرصد.

لأسباب الجيولوجية

يتشكل سطح الأرض من صفائح صخرية تسمى الصفائح التكتونية، وتطفو فوق طبقات من الماغما (Magma)، وهي عبارة عن مواد صخرية ومعدنية منصهرة نتيجة ارتفاع الحرارة والضغط على عمق مئات الكيلومترات تحت السطح. لا يتشكل السطح من صفيحة واحدة، بل من عشرات الصفائح التي تلتقي في ما بينها على فوالق تشكل الحدود بينها. وفي هذه المناطق الحدودية تحصل الظواهر الطبيعية من زلازل وبراكين نتيجة الفوالق والتشققات الموجودة، وحركة الصفائح التي تتصادم في ما بينها أو تبتعد عن بعضها في حركة مستمرة. وعند ازدياد الضغط بين الصفائح المتحركة إلى مستويات مرتفعة تتخطى قدرة الصخور الباطنية على التحمل، تنكسر هذه الصخور الضخمة وتتحرك بسرعة، ما يؤدي إلى اهتزاز القشرة الأرضية في كافة المنطقة المحيطة بها، وذلك بحسب حجم الصخور المنكسرة وضغط الصفائح على بعضها وحركتها. وبحال حصول زلازل كبيرة في المحيطات تحت سطح البحر، تؤدي الانكسارات الأرضية إلى انتقال الطاقة الزلزالية إلى أمواج مائية هائلة وسريعة تكتسح الشواطئ القريبة بعد ساعات وتدمر كل ما في طريقها، وتسمى هذه الأمواج تسونامي، وهي تُعَدّ من ارتدادات الزلازل الضخمة. وبسبب ارتباطها بحدوث زلزال، يمكن توقع حدوث التسونامي مسبقاً، وذلك قبل ساعات من وصول الأمواج إلى الشاطئ إن كانت الدول مجهزة بمحطات الرصد والإنذار المسبق.


توقع مكان الزلزال شيء،
أمّا توقع زمانه فشيء آخر




أما البراكين، فتحدث نتيجة تسرب مواد من الحمم الساخنة جداً من خلال تشققات في قشرة الأرض الصخرية، ما يسمح بوصولها إلى السطح. وبالتالي من السهل اليوم توقع حدوث البراكين نتيجة الانبعاثات الغازية التي تصدر من خلال هذه التشققات قبل خروج الحمم الساخنة، لذا لا تُعَدّ البراكين أخطاراً داهمة حيث تكون أماكن حصولها محددة بدقة وكذلك مؤشرات تدفقها، ما يعطي فرصة من الوقت لأخذ الحيطة والتخفيف من تداعياتها المباشرة. كذلك، نتيجة وجود البراكين في أمكنة جغرافية ثابتة، يمكن تجنب السكن قربها. لكن للبراكين أيضاً تأثيرات غير مباشرة من خلال الغازات والرماد المنبعث منها الذي ينتشر في الجو ويمكن أن يعرقل حركة الطائرات لأنه يتسرب إلى محركاتها ويؤثر بعملها. كذلك يمكن أن تؤدي هذه الانبعاثات إلى سقوط أمطار أسيدية بعد اختلاط المواد الكيميائية المنبعثة بجزيئات الهواء والماء مع ما يحمله هذا من آثار على البيئة والزراعة وغيرها.

محاولات توقع حدوث الزلازل

بنتيجة دراسة الصفائح التكتونية الباطنية، استطاع العلماء منذ وقت طويل تحديد الأماكن المعرضة لحدوث الزلازل، وهي في المناطق الفاصلة بين الصفائح. وبالفعل، تحدث كل الزلازل الكبيرة في هذه الأمكنة وليس في مناطق أخرى داخلية. لكن توقع المكان شيء، وتوقع الزمان شيء آخر. إذ فشلت الأبحاث المتكررة والمتواصلة حتى اليوم في ابتكار طريقة علمية موثوقة تتيح توقع حصول الزلزال قبل وقت كافٍ لاتخاذ الاحتياطات المناسبة. وفيما يمكن توقع حصول زلزال ما نتيجة الهزات الأولية التي تسبق الهزة الأكبر، إلا أن الوقت الفاصل عادة ما يكون عبارة عن ثوانٍ معدودة غير كافية للقيام بأي إجراء. وتكمن المعضلة الأخرى في تحديد قوة الهزة المتوقعة، إذ من غير المنطقي إصدار تحذيرات واتخاذ إجراءات استثنائية لهزات صغيرة عادية غير مدمرة.
إذاً، تتكامل معضلة توقع زمان حدوث الزلزال مع تحديد قوته ضمن هامش معين لتحذير المناطق المعنية مسبقاً.

يمكن توقّع الزلزال قبل ثوانٍ معدودة غير كافية للقيام
بأي إجراء

توجد عدة مؤشرات جيولوجية وفيزيائية وكيميائية مرتبطة بحركة صفائح الأرض، وهي المؤشرات التي حاول العلماء درسها في محاولة لإيجاد رابط حكمي، غير أن المحاولات لم تنجح حتى الآن. وأبرز هذه الدراسات ترتبط بقياس تسربات غاز «الرادون» من باطن الأرض، إذ لاحظ العلماء ازدياداً في انبعاث هذا الغاز من الصخور الباطنية في خلال وقوع الزلازل، لكن انبعاث هذه الغازات يكون قبل أوقات قليلة ولا يعطي تقديراً دقيقاً لقوة الهزة. كذلك تجري محاولات لقياس الموجات الكهرومغنطيسية الأرضية وتغيراتها في فترات حدوث الزلازل دون نجاحات كبيرة حتى الآن. وكانت إحدى الظواهر اللافتة التصرفات الغريبة لبعض الطيور والحيوانات قبل دقائق أو ساعات من حصول بعض الزلازل لكن من دون إمكانية البناء عليها بشكل دقيق وموثوق. أما التقنية الأدق التي تتيح توقع الزلزال قبل عشرات الثواني من حدوثه، فهي تقوم على قياس الموجات الزلزالية التي تنقسم إلى نوعين: الموجات الأولية السريعة التي لا تحمل طاقة تدميرية كبيرة، والموجات الثانية الأبطأ التي تسبب معظم الدمار الحاصل. ويفصل بين وصول هاتين الموجتين وقت معين نتيجة اختلاف السرعات، لذلك يمكن زرع المجسات في المناطق المعرضة زلزالياً وإصدار تحذيرات عند وصول الموجات الأولية، ما يعطي هامشاً معيناً لأخذ احتياطات سريعة رغم أنها غير كافية. على سبيل المثال، طبقت اليابان هذه التقنيات وأنشأت أنظمة حماية أوتوماتيكية تقوم بقطع الكهرباء عن سكك الحديد والقطارات والمراكز المعرضة لخطر الاحتراق في الزلازل فور رصد الموجات الأولية، ما يسمح بتفادي بعض الضرر عند وصول الموجات الثانية. إلا أن هذا يبقى حلاً ظرفياً صغيراً ولا يتيح احتياطات أوسع.

الركون إلى الحواسيب الضخمة

في المستقبل، يمكن الركون إلى الحواسيب الضخمة التي يمكن تغذيتها بكل السجلات عن مئات آلاف الهزات والزلازل المسجلة على مدى عقود، وكل موجاتها الأولية والارتدادية لمحاولة استنتاج أنساق معينة متكررة فيها، وبالتالي إمكانية توقع الزلزال عند قياس موجات مشابهة في وقت لاحق وبالتالي إطلاق تحذيرات أوتوماتيكية قبل بضع دقائق لتوفر مجالاً أوسع للاحتياط والتصرف. لكن هذا الخط البحثي لا يزال في بداياته، ويحتاج لسنوات من العمل والتطبيق لمعرفة إمكانية نجاحه، ومدى وجود أنساق معينة غير مرئية لنا تستطيع الحواسيب استخلاصها، خاصة أن القاعدة البيانية المطلوب تحليلها للوصول إلى خلاصات واستنتاجات تحوي ملايين القياسات والمعطيات الدقيقة.
ووسط صعوبة التوقعات، وعدم وجود خروقات علمية قاطعة حتى اليوم، يبقى الأساس في توفير الحماية والاحتياط في البلدان المعرضة للزلازل كما فعلت اليابان التي تقل فيها الأضرار والوفيات الناتجة من الزلازل الكبيرة. فالأبنية المقاومة والبنية التحتية المجهزة، وأنظمة الإنذار والحماية الكهربائية والمجتمع المدرب على التعاطي مع هذه الظواهر تُسهم كثيراً في تخفيف الأضرار. يبقى الجهد الواعد، وغير المضمون حتى الآن، في تطوير واكتمال قدرة البرمجيات الجديدة والحواسيب العملاقة على تحليل الأنساق الإحصائية الموجودة واستخلاص الروابط التي تتيح استباق الزلازل لاتخاذ احتياطات تخفف من الخسائر البشرية.




زلازل في لبنان؟

يُعَدّ لبنان من الدول المعرضة للهزات والزلازل المتوسطة وربما الكبيرة، نتيجة وقوعه جغرافياً على الفوالق الفاصلة بين الصفيحة العربية والصفيحة الأفريقية، التي تمتد حدودها من جنوب البحر الأحمر وصولاً إلى الجبال التركية مروراً بفالق أنان ووادي البقاع. وعلى الرغم من أن هذا الفالق يُعَدّ ناشطاً وتتكرر فيه الزلازل كل بضعة عقود، إلا أن الجهود الرسمية تكاد تكون غائبة في هذا المجال لناحية التوعية واتخاذ الاحتياطات اللازمة في حال وقوع كارثة كهذه، باستثناء بعض الاحتياطات الهندسية في بعض مشاريع البناء، وبعض الدراسات التي يقوم بها مركز رصد الهزات والزلازل في بلدة «بحنس». وكانت آخر هزة قوية تلك التي حصلت عام 1956 بقوة نحو 6 درجات على مقياس ريختر وخلّفت وراءها دماراً واسعاً، ومن الممكن أن تتكرر في أي لحظة بخلال السنوات والعقود القادمة.