أثارت آخر "الهندسات المالية" التي ابتدعها مصرف لبنان علامات استفهام حول الخطوة والجدوى من عمليات الـ SWAP التي أجراها "المركزي" مع عدد من المصارف اللبنانية، وتوقيتها والهدف منها. ففيما خرجت آراء تصف اقدام مصرف لبنان على الاستحواذ على كميات كبيرة من العملة الصعبة لرفع احتياطاته من الدولار الأميركي بـ "المبالغ بها"، وأنه ستكون ذلك كلفة على المديين المتوسط والبعيد لجهة إغراق المصارف بالسيولة بالليرة، وانتفاع عدد منها بتحقيق أرباح كبيرة، يجمع عدد من مسؤولي المصارف على أن إيجابيات الخطوة تفوق سلبياتها المحتملة بأشواط، وأنها خطوة لا بد منها في سياق حالة من اللااستقرار السياسي والماكرو اقتصادي التي يعيشها لبنان.


ويرى هؤلاء أنه مهما تكن كلفة مثل هذه الخطوة، فإنها تبقى أقل بكثير من احتمال الانهيار النقدي، في بلد يمثل فيه استيراد المواد الاستهلاكية 40% من الدخل، ما يعني أن تراجع سعر الصرف واحداً في المئة سينجم عنه تضخم 1% لأنه تضخم مستورد.

مصرف لبنان

مصادر مصرفية مواكبة، أظهرت مجموعة من المؤشرات المالية في الفصل الأول من العام الجاري عددا من المعطيات السلبية، دفعت بحاكم المصرف المركزي رياض سلامة، الى الإقدام على "هندسة مالية" جديدة: عجز كبير في ميزان المدفوعات أظهرته الاشهر الثلاثة الأولى من 2016، وتراجع في الوضع التمويلي العام في المنطقة ككل انعكس تراجعاً في الامكانيات التمويلية بالعملات الاجنبية، ظهر واضحا في تراجع العملات بقيمتها تجاه الدولار في أغلب دول الجوار.
"الخطوة" إذاً كانت استباقية للتعامل مع هذا الوضع المستجد في المنطقة العربية وعدد من دول أفريقيا حيث يعمل عدد كبير من اللبنانيين ويحوَلون منها الاموال. إذ أدى تراجع الاوضاع الاقتصادية في هذه البلدان وشح السيولة بالعملات الاجنبية، الى تراجع في التحويلات، رافقه حكما نمو متواضع في الودائع.
وفي ظل وضع سياسي داخلي متأزم وانسداد آفاق الحل في تلك الفترة، كان لا بد من معالجة ووقاية لما قد يترتب عن استمرار الوضع على ما كان عليه. وفي هذا الإطار، ترى مصادر مصرفية مطلعة أن الخطة نجحت إلى حد ما ومن دون كلفة باهظة (اذ لم يرفع المصرف المركزي الفوائد على الليرة كما حصل إبان اغتيال الرئيس رفيق الحريري) في تدعيم وضع الليرة، وميزانيات عدد كبير من المصارف كان تعاني من مشكلات مالية لها علاقة بتواجدها الخارجي، وزيادة الودائع لدى القطاع المصرفي نظرا للتحويلات الخارجية التي شاركت في هذه العملية، وتوفر سيولة بالليرة بهدف زيادة التسليفات للقطاع الخاص. والأبرز، في رأي متابعين، كان تخصيص جزء من هذه الاموال لتلبية حاجات المعيار الدولي IFRS 9 من دون المساس بأرباح المصارف او موجوداتها.

أزهري


الخطة نجحت في تدعيم الليرة
من دون كلفة باهظة
في تعليقه على الهندسات المالية، يذكّر رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لـ "بنك لبنان والمهجر" سعد أزهري بأنه "نتج عن الأوضاع الإقليمية والجمود السياسي في لبنان منذ 2011 إنخفاض في التدفقات الرأسمالية إلى مستويات دون العجوزات في الميزان التجاري، ممّا أدّى إلى عجوزات متتالية في ميزان المدفوعات بلغت 8.7 مليار دولار خلال فترة 2011 ـ 2015". ويلفت الى أن هذا الوضع "استمر في 2016، فبلغ العجز في ميزان المدفوعات حتى نهاية أيار 1.7 مليار دولار ترافق مع نمو في الودائع المصرفية قارب الـ 1% فقط. وفي غياب أي مبادرات سياسية أو إقتصادية، أخذ مصرف لبنان على عاتقه القيام بهندسات مالية إبتكارية لتعزيز موجوداته الخارجية ووقف النزيف في ميزان المدفوعات وزيادة النمو في الودائع المصرفية. وعلى أساسه، قام بعمليات مُبادلة مع المصارف نتجت عنها إنعكاسات إيجابية على جميع الأصعدة".
وأكد أزهري أن الخطوة "أدّت إلى إرتفاع الموجودات الخارجية لدى مصرف لبنان في أيلول الى 555 مليون دولار، وزاد معدل نمو الودائع أكثر من 3%. وعمد المصرف، من خلال تعاميمه للمصارف، إلى تحويل معظم الايرادات إلى حساب رأس المال وعدم دخالها كأرباح بهدف التحضير لمتطلبات النظام المحاسبي الجديد IFRS9 عام 2018". ولفت إلى "أن مصرف لبنان أصدر أيضاً تعميماً جديداً يطلب من المصارف زيادة أموالها الخاصة لتصل نسبة كفاية رأس المال حسب معايير بازل 3 إلى 15% بعدما كانت 12% في 2015. وقد ساهمت هذه الهندسة المالية في ترسيخ الإستقرار النقدي وثبات سعر الصرف وزادت من منسوب الثقة بالوضع المالي".
وأمل رئيس مجلس إدارة "بلوم" "أن تؤدّي عودة الإستقرار السياسي وتفعيل عمل الحكومة إلى تسريع العجلة الإقتصادية وزيادة التدفقات الرأسمالية، خصوصاً زيادة الإستثمارات المباشرة في قطاع النفط والغاز الذي نتمنّى أن يعالج ملفه سريعاً، وزيادة عائدات السياحة وغيرها من الصادرات في السلع والخدمات. كلّ هذا سيعزّز من الوضعية الخارجية للإقتصاد ويرفع من معدلات النمو إلى مستوياتها الممكنة ويسترد لبنان من خلالها ما خسره من فرص إقتصادية".

سوسييتيه جنرال

المدير العام لمصرف "سوسييتيه جنرال" في لبنان جورج صغبيني شدد على أن "الهندسة المالية كانت تهدف إلى تعزيز احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، وهي حققت ذلك، ما انعكس إيجاباً على ثقة العملاء، وأدى إلى استقرار سعر صرف الليرة". وذكّر بـ "أننا نعيش في بيئة تعاني من مشكلات امنية واقتصادية في أكثر من دولة مجاورة. والوضع الاقتصادي في المنطقة كلها يعاني من ضغوط: الليرة التركية تراجعت، وكذلك الجنيه المصري. لذلك، كان لا بد من إجراءات سريعة لحماية الليرة". ولفت إلى أن "الطلب على الدولار ارتفع في كل دول المنطقة، بما فيها النفطية، بسبب تراجع أسعار النفط. أضِف إلى ذلك تراجع التحويلات بالدولار إلى لبنان نتيجة الأزمات الاقتصادية التي تضرب دولاً كثيرة، خصوصاً حيث ينتشر مغتربون لبنانيون. ولذلك، كان لا بد من الهندسة المالية لجذب كمية كبيرة من الدولارات إلى لبنان".
ويذكّر صغبيني بأن "ميزان المدفوعات كان سالباً، بنحو 2.5 مليار دولار. ومشكلتنا أن العجز لم يُسجّل في عام واحد، بل هو عجز تراكمي على مدى 5 سنوات. وبعد تطبيق الهندسة المالية، حقّق ميزان المدفوعات فائضاً بنحو 0.55 مليار دولار، وسيسجّل رقماً أكبر في نهاية العام الجاري". وأشار الى أن هناك أثراً إضافياً للهندسة المالية، يتصل بتحسين نمو الودائع في القطاع المصرفي، من نحو 3 ــــ 3.5 في المئة، إلى نحو 6 في المئة مع نهاية العام. "كما انها تساهم في تمتين ميزانيات المصارف ورساميلها، ليتمكّن القطاع المصرفي من مواكبة المعايير المحاسبية الدولية وتمويل الاقتصاد اللبناني". وأكد ان هذه العملية ضخّت سيولة كبيرة في الاقتصاد ستظهر نتائجها الإيجابية المباشرة في غضون أشهر. وكشف أن شركات التقييم العالمية كانت قد وضعت لبنان في خانة "النظرة السلبية". وبعد نتائج الهندسة، أعيد لبنان إلى "النظرة المستقرة". وخلص الى أن "المواطن اللبناني لا يلمس مباشرة تأثيرات هذه الهندسة المالية عليه، لكن لو لم يتم تنفيذها لكان الوضع الاقتصادي برمته في خطر، مع ما لذلك من انعكاسات سلبية كان سيشعر بها كل اللبنانيين".

باز

نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة بنك "عوده"، المسؤول الرئيس للتخطيط الاستراتيجي للمجموعة، فريدي باز اعتبر أن المشكلة الحقيقية في لبنان تتمثل في غياب الخطة او الرؤية الاقتصادية الشاملة، وهي ليست من مسؤوليات حاكم البنك المركزي الذي تقع على عاتقه مسؤولية الإدارة النقدية فحسب، أما رسم السياسات الإقتصادية والمالية فهو من واجبات الحكومة. أما في ما يتعلق بالهندسة المالية، فهي "أتت في وقت تراجعت فيه الودائع بالعملات الأجنبية مقارنة بالعام الماضي، لأن جزءا منها مرتبط بحركة الرساميل". وأوضح "أن هناك ثلاثة مصادر لزيادة السيولة في أي اقتصاد في العالم يتم من خلالها خلق النقد، وهي حركة الرساميل من خلال ميزان المدفوعات، التسليفات الاضافية للقطاع الخاص المحلي، والتسليفات الاضافية للقطاع العام.

مهما تكن كلفة الخطوة، تبقى
أقل من احتمال الانهيار النقدي
وفي لبنان، يمثل البعد الخارجي تاريخيا نحو 50% من العناصر المقابلة للكتلة النقدية او العناصر التي تزيد الودائع. هذا الأمر تضرر، وأثّر على زيادة الودائع، وبالتالي على السيولة بالعملات الاجنبية، في وقت تراجع فيه وضع المالية، فعادت المديونية العامة إلى الارتفاع، ووصل الأمر إلى مرحلة غير مريحة، ولم يكن هناك أي أفق لحلحلة سياسية، فكان ما أقدم عليه المصرف المركزي".
وشبه باز الحال الاقتصادية في لبنان بطائرة بثلاثة محركات: محرك رئيس إسمه السياسة الاقتصادية، وآخر هو السياسة المالية وثالث هو السياسة النقدية، "والواقع أن محركين من هؤلاء تعطلا، فهل يقدم رياض سلامة على تعطيل المحرك الثالث". وشدد على أنه "مهما ارتفعت كلفة التصحيح تظل أقل من كلفة التأجيل. وحين تصل الأمور إلى ظروف صعبة ودقيقة لا بد أن تتخذ قرارات صعبة منعا لما هو أسوأ". وأشار الى أنه "أياً تكن طبيعة الازمات الاقتصادية في أي بلد، فإن الأمر الخطير الوحيد الذي تتظهّر به هو الاستقرار النقدي، ومصر أكبر دليل على ذلك. هنا جاء الحاكم وتطوع ليقول عمليا أنه لا يمكن أن يكون هناك انهيار، لأنه كما قال لينين: إذا أردت تدمير بلد ما دمّر نقده".
وحين يكون البلد مستهلكاً أكثر مما ينتج، نكون أمام ما يسميه باز بنظرية "الوباء الهولندي". فـ "استهلاك بلد لأكثر من انتاجه يخلق لديه تبعية للسلع والخدمات الاجنبية من خلال الواردات. وليتمكن من تمويل الفارق، تصبح لديه تبعية أصعب هي التبعية لحركة الرساميل الوافدة لتعزيز الدخل المحلي لتحقيق ما يسمى "الدخل المتاح". ومنذ أن وجد لبنان اعتمد على دعم الرساميل الوافدة بحكم الانتشار الاغترابي، لكن هذه الخلطة السحرية لا يجب أن تمنعه من بناء اقتصاد منتج فيه مضامين العمالة كبيرة".
وأكد باز أن حركة الرساميل ستستمر لأن المغتربين سيستمرون في دعم أهلهم وهو أمر مستمر منذ عشرات السنين، "لكن هذا لا يبرر أن نكمل بالشكل الحالي. علينا ان نبني اقتصادا منتجا ونعزز تنافسية اقتصادنا المحلي ونحد من هجرة الادمغة ونعمل على قيام صناعات متطورة، ليصبح محرك النمو الاساسي الطلب الخارجي المرتكز على التصدير والقطاعات الانتاجية وليس القطاعات الخدماتية. وهذا حلم جميع اللبنانين. وإحداث هذا التغيير يحتاج إلى تعبئة على صعيد البلد ككل، ووجود حد ادنى من التوافق السياسي، لأنه يستلزم هامشا كبيرا من الاصلاحات القانونية والضرائبية، وعقدا إجتماعيا جديدا بين شركاء الانتاج، وانفتاح السياسيين على المجتمع المدني الذي يملك وجهة نظر وقيمة مضافة. ومتى وُجد هذا النموذج متى وجد لن نحتاج حينها إلى سياسة تثبيت النقد وتكاليفها".
خطوات مصرف لبنان كما يراها باز "عمليات غير عادية في ظروف غير عادية. في بلد كلبنان، بكل اختلالاته السياسية والماكرواقتصادية، لا تستطيع أن تكون في سدة المسؤولية ولا تبتدع هندسات للمحافظة على استقراره النقدي لأن في ذلك مصلحة وطنية عليا، وسببا رئيسا للاستقرار الاجتماعي. وفي رأيي، الحاكم يعطي مسكنات عله يأتي يوم يستفيق المسؤولون للبحث عن علاج جذري". ويشدد باز على أنه "لا يوجد أفضل من رياض سلامة معرفة بديناميكية السوق. الموضوع ليس كما قيل بأن لبنك عوده أو أي مصرف آخر مشكلة مالية أتت هذه الهندسات لحلها. ليست هناك أجندة سرية ولا معادلات مصرفية ثنائية. هناك مصلحة بلد يريد مصرفه المركزي ان يحافظ على 40 مليار دولار كإحتياطي قطع، وهو الخط الرادع لأي محاولة من قبل أي طرف للعب بالاستقرار النقدي". ولفت الى أن "الدولة كانت في حاجة إلى الدولار، والسوق كانت ضعيفة، ولا إمكانية لاصدار سندات خزينة جديدة، فكان القرار بالقيام بعمليات "السواب" وهو أمر يقوم به المركزي من وقت لآخر لتحفيز البنوك. ويمكنني القول انه خلال 24 ساعة فقط جاء الطلب على الملياري دولار اللذين طرحا مضاعفاً. فبعدما اشترت المصارف في المرحلة الاولى المليارين، خلقت نوعا من الاهتمام لدى المستثمرين المؤسساتيين الأكفاء الذين يملكون مؤهلات الدخول إلى منتجات مركبة كهذه. باعت المصارف المليارين وأدخلت سيولة بالدولار، ومن خلال بيع "يوروبوندز" حققت ما بين 3 إلى 4 مليارات دولار".
عادت هذه الهندسة بالكثير من الايجابية على الوضع الاقتصادي العام في البلد، كما يؤكد باز "إذ تعززت حركة الرساميل والسيولة، وزادت الودائع في الأشهر العشرة الأول من العام الجاري30% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين كانت في النصف الأول أقل بنسبة 25%. العجز في ميزان المدفوعات تراجع من مليار و800 مليون، أواخر أيار الماضي، ليصبح اليوم نحو 100 مليون فقط. وعاد الطلب على يوروبوندز بقوة من قبل المستثمرين المؤسساتيين، والدولة استفادت لأنها حولت جزءاً من الدين الطويل إلى دين أقصر بكلفة أقل بواحد في المئة".

غبريل

بدوره، يؤكد كبير الاقتصاديين ومدير قسم البحوث والدراسات الاقتصادية في مجموعة بنك بيبلوس نسيب غبريل أن الاقدام على الخطوة كان قرارا جيدا في وقت لم يكن يظهر أن هناك أي حل سياسي في البلد. وهي خطوة جاءت لتحصين احتياطي البنك المركزي بالعملات الأجنبية ودعمه، كما ساهمت في توفير السيولة النقدية التي ستسمح للمصارف بالتقيد بمتطلبات المعيار الدولي IFRS9 الذي سيبدأ تطبيقه قريباً.