معبّرة للغاية كانت مظاهر التضامن الخجولة مع مدينة حلب التي شهدتها طرابلس خلال الأيام القليلة الماضية، برغم الدعوات التي وجهتها جهات عديدة لهذا الغرض. وأعطى هذا الواقع مؤشرات على أن تغييراً كبيراً طرأ على عاصمة الشمال في ما يتصل بالتطورات في سوريا، التي كانت المدينة تتفاعل معها على نحو واسع.


هذا التراجع في التفاعل مع التطورات السورية في طرابلس يعود بشكل رئيسي إلى غياب قوى أساسية وتراجعها عن الواجهة، بعدما كانت تعمل بقوة على استنهاض الشارع الطرابلسي، وبعدما كانت لا توفر مناسبة تتعلق بالحرب في سوريا إلا وتقاربها بما يناسب مواقفها ومصالحها.
تيار المستقبل يأتي في مقدمة هذه القوى. لم يبادر نوابه ومنسقيته إلى تنظيم أي مهرجان أو لقاء شعبي تضامناً مع حلب، وهو أمر ردّته أوساط التيار الأزرق إلى «الإحراج الشكلي الذي نعانيه، لأن عودة الرئيس سعد الحريري إلى السلطة جعلتنا مكبّلين بأكثر من اعتبار سياسي. وجودنا في السلطة هو غيره خارجها».
وتضيف الأوساط إلى ذلك أمرا آخر هو أن «الأزمات الداخلية التي يعانيها التيار، تنظيمياً ومالياً، تجعله يتردّد في القيام بأي تحرّك على الأرض، قبل ترتيب بيته الداخلي».
وعلى خط موازٍ يأتي الصمت الذي يلوذ به الوزير أشرف ريفي منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية قبل نحو شهر ونصف تقريباً، وبعد تكليف الرئيس سعد الحريري تأليف الحكومة. وهو صمت ردّته مصادر سياسية إلى «حسابات خاصة بريفي، وبطلب سعودي منه عدم التشويش على الحريري»، بعدما كان وزير العدل يفتتح يومه بتصريح يهاجم فيه سوريا وإيران وحزب الله، ويختتمه بتصريح مماثل.


المهرجانات التي نظمتها الصفدي جذبت حضوراً غفيراً بعكس اعتصام «الجماعة»



أما أبرز القوى التي تراجع حضورها في الشارع الطرابلسي تضامناً مع المعارضة السورية، فهم الإسلاميون بمختلف أطيافهم، الذين شكلوا سابقاً رأس حربة التحركات التضامنية مع المعارضة السورية. ويأتي في مقدمة هذه القوى الجماعة الإسلامية، التي دعت إلى اعتصام أمام مركز الصليب الأحمر في طرابلس، كان لافتاً أن الحضور فيه لم يتجاوز أكثر من 50 شخصاً. والجماعة تصف نفسها بأنها أكبر فصيل إسلامي على الساحة الإسلامية في لبنان. أما هيئة العلماء المسلمين، التي تنضوي فيها غالبية قوى الإسلام السلفي، فاكتفت بمؤتمر صحافي عقدته في بيروت.
ومع أن مسؤولين في الجماعة ردّوا ضعف الحضور الشعبي وعدم مشاركة أي طرف إسلامي آخر معهم في الإعتصام، إلى «رداءة الطقس، وأن الإعتصام كان رمزياً، ولم ندع بقية القوى الإسلامية للمشاركة معنا»، رأت مصادر إسلامية أن الإسلاميين في لبنان، كما في المنطقة، «يعانون من أزمة تراجع حضورهم في الشارع السّني، الأمر الذي يجعل تجاوب الناس معهم ضعيفاً».
ورأت المصادر أن الحضور الخجول في اعتصام الجماعة، وغيرها من الأحزاب والحركات الإسلامية «كان طبيعياً، لأن كل الإسلاميين وفي عزّ صعودهم وتفاعلهم مع الأزمة السورية، والدعم الذي كانوا يتلقونه، لم يستطيعوا حشد أكثر من 1500 شخص في مهرجاناتهم الشعبية».
وأوضحت المصادر أن الإسلاميين «يعانون من خلافات داخلية، وتباين كبير في التوجهات والرؤى، ومن انعدام الثقة بينهم من جهة، وبينهم وبين الآخرين من جهة ثانية، ومن تورطهم وتوريط المدينة في قضايا أمنية معقدة في لبنان وسوريا، الأمر الذي جعل التجاوب الشعبي معهم ضعيفاً».
ولعل أكبر مؤشر على الفراق بين الإسلاميين والشارع الطرابلسي، ظهر بوضوح من خلال مقارنة الحضور الشعبي الخجول في تحركاتهم، بالحضور الغفير الذي غصّ به معرض رشيد كرامي الدولي، برغم الطقس العاصف، للاحتفال بافتتاح مهرجانات تنظمها زوجة الوزير محمد الصفدي، فيوليت خيرالله الصفدي، بمناسبة الأعياد، حيث بدا واضحاً أن المدينة اختارت السير بمنحى مختلف، برغم كل محاولات التشويش على هذه المهرجانات، من قبل إسلاميين تحديداً.