في 3/12/2016، تقدّمت حملة «بدنا نحاسب» بإخبار لدى النيابة العامة المالية يتعلّق بـ»المخالفات المالية والإدارية في وزارة الصحة وفي المُستشفيات الحكومية». تقول الحملة في الإخبار المُقدّم إن هذه المخالفات أدّت الى هدر كبير في المال العام ومهّدت لعمليات اختلاس نفّذها أشخاص انتفعوا من بعض القرارات والإجراءات التي اتّخذتها وزارة الصحة.


يشير الإخبار الى مسألة تكليف لجان إدارية بمهمة إدارة بعض المُستشفيات الحكومية، وهو إجراء مُخالف للقانون الذي يُرتّب أن يُعين مجلس الوزراء مجلس إدارة لتولي هذه المهمة. وفي هذا الصدد، يُقدّم الإخبار واقع المُستشفى الحكومي في صيدا كنموذج متهالك عن المخالفات الإدارية المُستفحلة، وعن مسألة إدارة المُستشفى من قبل لجنة إدارية يصفها بعض العاملين في المُستشفى بـ»غير الأمينة».

لجان إدارية لإدارة المُستشفيات الحكومية

في شهر آذار عام 2015، انحلّ مجلس إدارة المُستشفى الحكومي في صيدا على خلفية اتهامات بالاختلاس وسوء الإدارة سيقت ضد رئيسه. بعدها، ارتأى وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور تعيين لجنة إدارية برئاسة هشام قدورة تحلّ محل المجلس. استقال الأخير في آذار الماضي، وتم تعيين أحمد الصمدي بدلاً منه. يقول أحد المُطّلعين على الملف إن أبو فاعور أعطى التفويض لرئيس اللجنة بتحريك حساب المستشفى لدى مصرف لبنان، مخالفاً بذلك النظام المالي الذي يستوجب أن يكون المدير أو المحاسب هو المخوّل بسحب الأموال من مصرف لبنان. بحسب الإخبار المُقدّم، فإنّ هناك قرارات متخذة من قبل التفتيش المركزي تطلب من وزارة الصحة الرجوع عن تكليف مجالس الإدارة واللجان الإدارية بسحب الأموال من مصرف لبنان، إلا أن «الوزير لم يكترث لقرارات التفتيش». الإشارة الى هذه النقطة تغدو ضرورية للقول إن وزارة الصحة سبق أن اعتمدت صيغة اللجان الإدارية بدلاً من مجالس الإدارة في أكثر من مُستشفىً حكومي، كالمُستشفى التركي في صيدا «الذي صُرف له مبلغ مليار ليرة ولم يُفتتح حتى تاريخه لاعتبارات سياسية» بحسب الإخبار، حيث عيّن أبو فاعور لجنة إدارية بعضوية رئيس بلدية صيدا محمد السعودي والنائب ميشال موسى (بالرغم من أن القانون يحظر الجمع بين عضوية مجالس المؤسسات العامة والنيابة والبلدية). هذا الأمر يطرح تساؤلات حول أهلية أعضاء هذه اللجان ومدى «أمانتهم» في كيفية إدارة هذه المؤسسة.


هناك شكوى ضد مُستشفى الحريري الحكومي بسبب ترفيعات لموظفين مُقرّبين من أبو فاعور

فبحسب القانون، يحل بالإنابة محل المدير الأصيل في حال شغور وظيفته الموظف الأعلى رتبة وفئة الى حين تعيين مدير أصيل. وهو ما يحصل في مُستشفيات دون أخرى. من جهة أخرى، يُثير بعض العاملين في المُستشفى مسألة توظيف أجراء خلافاً للقانون ومن دون أن يخضعوا لامتحانات مجالس الخدمة المدنية (أكثر من 40% من الموظفين والأجراء تم توظيفهم عبر عقد شراء خدمات)، علماً بأن نظام المُستخدمين في المُستشفيات الحكومية ينص على أنه لا تُصرف مُستحقات لموظف إلا إذا كان مُعيّناً من قبل مجلس الخدمة المدنية، ما يعني بحسب هؤلاء العاملين أن الأموال التي تُصرف منذ سنوات يجري صرفها بطريقة «غير شرعية». الجدير ذكره في هذا الصدد أن المُستشفى لا يملك موازنة منذ أكثر من 4 سنوات، وهو يرزح تحت عبء الدين الذي يفوق 15 مليار ليرة لبنانية. هذا العجز سببه سوء الإدارة وعدم أهلية المسؤولين عن هذه المؤسسات.

تنفيعات ومحسوبيات

أودعت حملة «بدنا نحاسب»، عبر المحامي واصف الحركة، مضمون الإخبار المذكور، كشكوى مُقدّمة لدى كل من ديوان المحاسبة ومجلس التفتيش أيضاً، وذلك تحت عنوان عريض يُشير الى مسألة الفساد المُنتشر في المُستشفيات الحكومية.
يذكر نصّ الشكوى قرار أبو فاعور الذي قضى بنقل موظفين في مُستشفيين حُكوميين وإلحاقهما، خلافاً للقانون، بوزارة الصحة، هما: صلاح الدبيسي، وهو موظف في مُستشفى الحريري، وباسم غانم، وهو موظف في مُستشفى البوار. تقول الشكوى إن المذكورين يُداومان في وزارة الصحة فيما هما يتقاضان راتبيهما من مخصصات المُستشفيين اللذين يعملان فيهما، لافتة الى غياب النصوص القانونية التي تسمح بنقل موظف من مؤسسة عامة الى إدارة عامة. وتُضيف الشكوى في هذا الصدد، أن الوزير أصدر مؤخراً قراراً يقضي بتكليف أحدهما برئاسة دائرة الرقابة على المستشفيات الحكومية في الوزارة على محافظة الجنوب ومحافظة جبل لبنان، فيما تم تكليف الآخر بمهمات رئيس دائرة الرقابة على المستشفيات الحكومية في الوزارة، «علماً بأن هناك موظفاً في الوزارة مُعيّناً ومُثبتاً لا يزال يشغل هذا المنصب». كذلك تلفت الشكوى المُسجّلة في ديوان المُحاسبة تحت رقم 6539 والمسجلة في التفتيش المركزي تحمل الرقم 2551 الى أن الوزير يُوافق على نقل موظفين من مُستشفى حكومي إلى مُستشفى آخر من دون مراعاة تسلسل الناجحين في مجلس الخدمة المدنية، فضلاً عن موافقته على نقل موظف من مُستشفى الى مُستشفى ليشغل وظيفة غير موجودة في المُستشفى المنقول اليها!
في هذا الصدد، تُشير المُعطيات إلى وجود عدّة شكاوى لدى مجلس شورى الدولة ضدّ مُستشفى الحريري الحكومي، تتعلّق بترفيعات تتضمّن مخالفات إدارية. وتقول بعض المصادر المُطّلعة في المُستشفى المذكور إن غالبية الذين تم ترفيعهم هم موظفون مُقرّبون من الوزير الذي قام بالضغط على الإدارة من أجل ترفيعهم.
الإشارة الى نماذج هذه الشكاوى تغدو ضرورية، للفت النظر الى الواقع الذي يُساهم في إضعاف المؤسسات العامة، ويجعلها خاضعة للزبائنية وغير قادرة على النهوض بهيكلية متماسكة. الجدير ذكره أن غالبية مجالس إدارة المُستشفيات الحكومية منتهية مدة ولايتها، والمجالس الحالية هي في وضع تصريف الأعمال، فلماذا لم يطلب وزير الصحة من مجلس الوزراء تشكيل مجالس إدارة بحسب القوانين؟ حاولت «الأخبار» التواصل مع الوزير على مرّ عدة أيام، لكنه لم يرد على اتصالاتها المُتكرّرة.