هل هناك «فاشية» لبنانية؟ خلال الحرب الأهليّة كان المصطلح دارجاً و«عالموضة». لم يكن كثيرون يسألون عن طبيعة التهمة، وعن ملامحها. وحتى اليوم، تستخدم الكلمة أحياناً، تقذف هكذا. فاشي. فاشية. فاشيون. ولكن، قد تكون هناك ملامح لفاشية لبنانية، بالمعنى الدقيق للكلمة، أو على الأقل تصرفات فاشية، كما كانت الفاشية في إيطاليا، معقلها اللغوي والثقافي.


الانطلاق من المقولة التروتسكية يأتي في سياق العودة إلى محاولة إجابة تروتسكي نفسه عن سؤال «ما هي الفاشية؟». وعلينا أن نعترف، المصطلحات التروتسكية فضفاضة. الشرح على أساس ماركسي سيكون معقداً، ولكن، يمكن استعارة المصطلح و«لبننته». «ستائر برلمانية»، تُسدل، وترفع؛ تسدل للتمديد وترفع لانتخاب رئيس! الكائنات البشرية التي لا تحصى والتي جرَّها رأس المال الماليّ نفسه إلى اليأس أيضاً. أليس هذا لبنانياً؟ فلنبحث قليلاً، وليس ضرورياً أن نصل إلى نتيجة.

المشهد الأول: «الغرباء» في قاموس «لبنان الكبير»


في محاضرةٍ له، بالفرنسية، بعنوان «التجارة والأخلاق»، عام 1940، وأعيد نشرها في «L’Orient Le Jour» أواخر 1994، لـ«أهميّتها» طبعاً، أي تزامناً مع ولادة جمهورية جديدة، بعد أفول الجمهورية السابقة التي شارك شيحا في صياغتها مطلع الأربعينيات، ينسب ميشال شيحا الفقراء في لبنان الاستقلال الى الوافدين من الملحقات والمناطق التي ضمّت الى جبل لبنان والساحل لتكوين «لبنان الكبير» عام 1920. وهو يحرص على تمييز فلاح جبل لبنان («لبنان الصغير») عن الفقراء الوافدين الى المدن الساحلية من الملحقات. ولا يتردد شيحا في الدعوة الى إخفاء الفقر والفقراء، على الأقل عن عيون السيّاح والمصطافين، حين يقول: «فلنبدأ بتوزيع البزّات الرسمية وأدوات التنظيف على الحمّالين في الموانئ ومحطات القطارات». ليست دعوته هذه إلا واحدة من أدوات البورجوازية التي يتحدث عنها تروتسكي. وما يهمّنا أكثر، في دراسة فواز طرابلسي، «الطبقات الاجتماعيّة في لبنان، إثبات وجود»، الصادرة في 2014، هو ملاحظة طرابلسي الحاسمة في كشف هذا الدور المؤسس لنمط فاشي لبناني. هكذا، يتكرر الإدغام بين الغرباء والفقر في مناسبات متنوعة، ومنها الحملة التي ارتفعت وتيرتها، في إحدى المناسبات، التي اكتشف فيها لبنان الفقر والغرباء معاً في عام 1965. آنذاك، دعا النائب الأب سمعان الدويهي الى إحصاء عدد البؤساء، الذين نعتهم بالغرباء، ووصفهم بأنهم «الذين يسرقون اللقمة من فم اللبنانيين» ويشكلون «مصدر النتن والفساد والمرض في كل المقومات الأخلاقية والإنسانية والروحية للبلد». ولم يكتفِ الأب النائب بذلك، فثمة ما هو أهم. كان هؤلاء يبيعون أسرار «الوطن» المصرفية إلى الخارج، فلم يكن ثمة تطابق لازم بين الفقر والغربة هنا. والمتّهم ببيع الأسرار المصرفية للخارج لم يكن غير الفلسطيني يوسف بيدس. الغريب هو الغريب، هكذا تؤسس الفاشية. وهذه نقطة التقاء مع الفاشية الإيطالية، وتحسب لميشال شيحا النهج، أكثر من ميشال شيحا الشخص.
حسب تعريف الفاشية، اللغوي على الأقل، جميع الأحزاب فاشية. التعريب الدقيق للكلمة هو «فاشستية»، لكن «فاشية» أسهل، وأخف وقعاً بالعربية. أما «فاشيو»، والأصل بالإيطالية، فتعني «رزمة»، معقودة بإحكام وشدة. ولم يطلق الاسم على الفاشية من خصومها، بل هم الذين اختاروا هذا الوصف، واعتبروه مديحاً. أن يكونوا هكذا متلاحمين ومتحدين.
فلندقق، بعد ميشال شيحا. سمات بوقع فاشي على شعارات الأحزاب اللبنانية، من دون أن يعني ذلك إمكان وصفها بالفاشية. «الله، الوطن، العائلة». لُحمة الجماعة وتعريف الجماعة كتائبياً. «ألا إن حزب الله هم الغالبون». والحزب حزب الجماعة واللحمة أيضاً. «لنبقى ونستمر»، القوات اللبنانية الزاحفة إلى حارة حريك أخيراً، تستخدم «نون الجماعة»، في إشارة أخرى إلى حزمةٍ من البشر يجتمعون. ويلتحمون. وتاريخ القوات ملحمي (وربما فاشي أكثر من غيره!) بالصليب المشطوب. حتى تيار المستقبل، «الليبرالي»، يستخدم شعاراً فاشياً: «لبنان أولاً». ويحيل هذا إلى حليفه الطارئ، المردة، الذي يقول «وطني دائماً على حق». والشِعار الأخير ليس نِكتة. وعلى هذا المنوال، الأحزاب اللبنانية هي أحزاب شعبوية، وقد تتقاطع في طابعها ــ الذي يرنو إلى أن يكون جماهيرياً ــ مع النمط الفاشي.


داخل كل منتسب إلى حزب طائفي لبناني يوجد ميشال شيحا صغير


إلى ذلك، لعِب القتال الأهلي دوراً في نشأة الأحزاب اللبنانية. أسهمت تربيتها لناشئةٍ تنضوي فيها في أن تنشأ على حب السلاح والتسلح. نتحدث عن أحزاب شاركت في حرب أهلية طويلة ــ عريضة، وجلّها لم يقم بأي مراجعة أو نقد ذاتيين. في الجنوب اللبناني، ما زالت هذه المفردة شائعة ومتداولة: «المسؤول العسكري في حركة أمل». لا يعني ذلك أن حركة أمل فاشية، بل يعني أن الاجتماع حول السلاح محبّب. حزب الله ما زال حزباً عسكرياً. تيار المستقبل حاول أن ينشئ ميليشيا قبل السابع من أيّار وتلطّى بأخرى في طرابلس. القوات اللبنانية، حزب صورته بالزيتي العسكري. حتى التيار الوطني الحر، فرئيسه جنرال، وقامت آلية الاستقطاب فيه على أساس الحب للجيش وللعسكر وما تفرع من ذلك.
عودٌ على بدء: لا يعني ذلك أن الأحزاب اللبنانية فاشية، بل يعني أنها تحب تلك السمة في الأحزاب الفاشية. فالأخيرة، في جوهرها، مصنفة أحزاباً «جماهيرية»، أي إن هدفها دائماً هو أن تحوي عدداً كبيراً من المناصرين والملتزمين، وأن يلتف حولها جمهور، على أن تكون الفرق العسكرية جزءاً أساسياً من بنيانها ومن هويتها.
لا يعني ذلك أن «الفاشيين» جميعهم مسلحون. في إيطاليا قبل التوبة، وفي لبنان الآن. فلنعد إلى لبنان: هل جميع الذين في القوات اللبنانية كانوا يحملون سلاحاً؟ هل جميع الذين في حزب الله يقودون الدبابات؟ هل جميع الذين انتسبوا إلى تيار المستقبل يرغبون في القتال؟ ليس بالضرورة طبعاً. فهم ليسوا «فاشيين»، أكثر من كونهم معجبين بما يمكن تسميته «مظاهر فاشية». والحال نفسها تنسحب على طروحات شيحا وأطروحاته؛ فتعريف الأخير للـ«الغريب» ليس تعريفاً نهائياً. إنه تعريف يتطور. من هو «الغريب»؟ داخل كل منتسب إلى حزب طائفي لبناني يوجد ميشال شيحا صغير.

المشهد الثاني: «الحياة جميلة»

يُقرع الجرس عند السابعة والنصف صباحاً. نحن الآن في في مدرسة صغيرة في ضواحي بيروت. يصطف التلامذة في طوابير عريضة وطويلة. بالعرض يتدرجون من الصفوف الأولى إلى الصفوف الأكبر، ويمشون مشياً عسكرياً باتجاه الدرج الذي يقود إلى الطوابق، حيث تقبع صفوفهم. يقفون من القصير إلى الطويل. القصير في المقدمة كتعويضٍ باهت عن ضآلة حجمه والطويل في المؤخرة متباهياً بقامته. من هنا يبدأ التمييز على معيار البنية الجسدية في واحد من أكثر مفاهيم القوة ابتذالاً. ولكن قبل عرض القوة والمشي العسكري النظامي إلى الصف، هناك النشيد الوطني، وتحيّة العلم. ولا يحفظ التلامذة النشيد الوطني اللبناني غالباً، لأنه طويل، ومعقّد، ولأنه يُتلى على عجلٍ. لكنهم يستعمون إليه. ويحيّون العلم. ثم ينصرفون إلى صفوفهم. يحيل هذا المشهد اللبناني اليومي الرتيب والممل، إلى مشهد ساحر من فيلم «الحياة جميلة» (La vita è bella)، للمخرج الإيطالي روبرتو بنيني، الذي يقف في منتصف الصف، لابساً العلم الإيطالي، وساخراً بشدة من الطقوس الفاشية في زمانها.
لا نعرف إن كان المشهد الإيطالي يقع في مدرسة خاصة، أو رسمية، ولا يدور البحث حول طبيعة النظام التربوي الفاشي في جوهره. ما يهمّنا هو «الطَقس» الفاشي بحد ذاته في حالة العلم والمدرسة. لبنانياً، وحسب دراسة لإدارة الإحصاء المركزي في 2012، فإن 497,530 تلميذاً كانوا مسجّلين في مدارس خاصة، و159,462 كانوا مسجلين في مدارس خاصة مجانية، بينما يوجد 285,399 فقط في المدارس الرسمية. نتحدث عن 2012، أي إن الأرقام تغيّرت اليوم. في 2015، وفي النشرة التي تعدّها الدائرة الإحصائية في المركز التربوي لللبحوث والإنماء، تبين أن هناك مليوناً و2277 تلميذاً، 54% منهم يتلقون تعليماً خاصاً غير مجاني، و14% يتلقون تعليماً خاصاً مجانياً، أي ما مجموعه 68%. أما تلامذة التعليم الرسمي، فنسبتهم 28%، مقابل 4% في مدارس الأونروا. وفي 2016، لم تهبط عصا موسى على القطاع التعليمي اللبناني، ولم تتغيّر النسب كثيراً. بالأرقام، أكثر من ثلثي تلامذة لبنان يتلقون تعليماً خاصاً، لا رسمياً، رغم غلاء الأقساط. وتعليم خاص يعني أنه يتبع غالباً لطائفة. جمعية التعليم الديني الإسلامي، العرفان، المبرات، الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، مؤسسات أمل التربوية، إلخ، ألا يحيل هذا إلى شيء؟ طوائف. طوائف. طوائف. وإن كانت هذه الأرقام «رسمية»، ويفترض أنها دقيقة، ففي المقابل، تشير عينات عشوائية من مدرسة في الحدث، وأخرى من برج البراجنة، وأخرى في بيروت، وأخرى في الشويفات، إلى أن جميع المدارس الخاصة تواظب على طقوس العَلم تلك، رغم طابعها الفاشي. أما كيفية التفاعل معها بين مدرسة ومدرسة، وتالياً بين «طائفة» و«طائفة»، فتحتاج إلى دراسة أخرى مستقلة، على الأقل لتفسير حادثة وحيدة: ذلك الفيديو الكريه الذي ظهر فيه تلامذة لبنانيون وهم يجبرون زملاء لهم سوريين على الركوع أمام العلم اللبناني العظيم. «الغرباء»، القادمون من «المريخ».




الدور العمّالي المفقود

ليست «الفاشية» أو ما يتفرع عنها حدثاً اعتباطياً. وقراءة التجربة الإيطالية أثبتت أن رأس المال يسيّر عمل الفاشية ويقودها. والحرب الأهلية، كما هي الحال في إيطاليا، كانت محطة استراحة طويلة لمكامن رأس المال، على حساب الإيطاليين، الذين تلهّوا بالاحتراب وتمترسوا خلف وهم القوة. انتصار الخطاب الفاشي، ليس انتقالاً إلى مرحلة رأسمالية وحسب، بل إنه، تالياً، يعني سيطرة هذا الخطاب على جميع مؤسسات الدولة، «الإدارية والتعليمية والجيش والبلديات والجامعات والنقابات والمدارس والتعاونيات». يحيل هذا أيضاً إلى التجربة اللبنانية، ولا يحتاج حتى إلى شروح. في إيطاليا، لم يكن تحول الدولة إلى الفاشية يعني تغيّر شكل الحكم وأساليبه، فالتغيرات ثانوية. لقد كان الهدف الأساسي للفاشية في إيطاليا هو القضاء على أي دور للمنظمات العمالية، إلى حدٍّ يجعلها غير قادرة على التنظيم نهائياً. ومن يرغب في مقارنة هذه التجربة مع لبنان، «من بعيد»، وبقراءة أولى، عليه أن ينبش من ذاكرته كثيراً، ليحصل على «الاتحاد العمالي العام»، و«نقابة الصيادين»، وغيرهما مما شابههما. ويمكنه أيضاً، على سبيل المزاح، أن يراجع تطور مصطلح «الغريب».