«الانتخابات الأميركية: انتصار الشعبوية»، هو عنوان المحاضرة التي قدّمها مدير مركز دراسة الاقتصاد والأسواق المالية التابع لجامعة البلمند، الأب بول الدويهي، في البنك اللبناني الفرنسي. الهدف منها الإضاءة على نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية من منظور اقتصادي والإطلالة على ظاهرة الشعبوية في أوروبا.


في اعتقاده أن هذه الشعبوية هي «صوت مناهض للمؤسسات تُشعله المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية»، وهي ليست إلا صوت الناس العاديين.
الناس المنسيين. وهؤلاء ليسوا إلا حالة تعبير عن رفض، والشعبوية ليست إلا خياراً لتصويتهم. هم أصلاً ضدّ ما يسمّى النخبة الحاكمة. هكذا ترى الشعبوية نفسها وفق تعريف الدويهي. يمكن تقديم الكثير من الدلائل على هذا الأمر، برأيه. الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب قال في نيسان 2013: عند كل منعطف أساسي في هذا البلد، الشعب يكون على حق والنخبة تكون على خطأ».
يرى الدويهي أن ظهور الشعبوية في الانتخابات الأميركية وفي بعض دول أوروبا هو نتيجة عوامل اقتصادية مختلفة:
ــ تداعيات الأزمة المالية الأخيرة. الفقراء هم الذين دفعوا الفاتورة أكثر من غيرهم. دفعوها في تدنّي مستويات دخلهم.
ــ تباطؤ اقتصادي.
ــ التأثير المتزايد للعولمة: الشركات والأعمال بدأت تنتقل من بلد المنشأ إلى بلدان أخرى حيث كلفة الإنتاج أرخص، وبالتالي بدأ العاملون في بلدان المنشأ يخسرون وظائفهم. لذلك إن تصويت الشعبوية هو تصويت ضدّ النظام.
ــ لدى الدول مشاكل مالية جديّة وتحديات كبيرة.


الهجرة غيّرت طريقة التفكير الأوروبية التي كانت منفتحة على الآخر وأصبحت اليوم مختلفة


في السنوات العشرين الأخيرة، تقدّم اليمين واليسار صوب الوسط أكثر، تاركين الأطراف لليمين المتطرّف، بحسب الدويهي. حصل ذلك في ظل الكثير من اللامساواة في العالم، كما يعبّر عنها جوزف ستيغلز. وفي السياق نفسه، يقول، هناك «الدفاع عن الشركات الكبيرة بعيداً عن أي انعكاسات على الطبقات الأدنى». تعبّر المرشحة للرئاسة الفرنسية مارين لو بان عن هذا الأمر بوضوح: «القيادات السياسية صارت تدافع عن مصالح خاصة». واللافت أنه «لم تعد هناك قيادات في العالم بالمستوى الذي كان موجوداً في السابق» يقول الدويهي.
العوامل الاقتصادية ليست المحرّك الوحيد للشعبوية التي اجتاحت أميركا وأوروبا. فوق هذه العوامل، يقول الدويهي، جاءت مشكلة الهجرة لتصبح عنصراً أساسياً في تشكيل الخطوط السياسية والاقتصادية. وبحسب جيفري ساكس، فإن «الهجرة هي آخر حدود العولمة. هي الأكثر هدماً وتداخلاً لأنه بنتيجتها الناس لا يتعاملون مع الأشياء أو العوائق، بل يتعاملون وجهاً لوجه مع بشر ينظرون ويسمعون ولديهم مشاعر، لكنهم مختلفون. هذا الأمر يثير القلق من إيقاظ العنصرية والخوف من الآخر». يستند الدويهي إلى عبارات ساكس ليشير إلى أنه بسبب الهجرة تغيّرت طريقة التفكير الأوروبية التي كانت منفتحة على الآخر وأصبحت اليوم مختلفة جذرياً.
الطبقات القلقة هم العمال وهم الناخبون أيضاً. في الولايات المتحدة، تبيّن أن مناصري ترامب يندرجون في إطار عبارات ساكس. هم يرفضون وجود 11 مليون مقيم غير شرعي في أميركا ومختلفون عرقياً. هكذا صارت الهجرة جزءاً من خطاب ترامب. قدّم ترامب المشكلة في أميركا على أن مصدرها العمالة الأجنبية. نتائج التصويت صبّت لمصلحة ترامب على النحو الآتي: استحوذ على 53% من الأصوات التي أدلى بها الذكور، و42% من الأصوات التي أدلت بها الإناث، 58% من الأصوات هم من البيض (مقابل 37% لهيلاري كلينتون)، و8% من ذوي البشرة السمراء (مقابل 88% لهيلاري كلينتون)، و29% من ذوي الأصول اللاتينية (مقابل 65% لهيلاري كلينتون)، 29% من ذوي الأصول الآسيوية (مقابل 65% لهيلاري كلينتون). الفئات العمرية كان لها مزاج مع ترامب أيضاً. الفئة العمرية التي صوّتت لمصلحة ترامب هي التي تفوق 45 عاماً. في فئة الـ 45 – 64 حاز 53% وفي فئة ما فوق الـ 65 نال 53% أيضاً. الشباب صوّتوا لمصلحة كلينتون بنسبة 55% من الفئة التي تراوح أعمارها بين 18 و29 عاماً.
يقول الدويهي إن ترامب قدّم نظرة اقتصادية تستند إلى التخفيف من العبء الضريبي. وكان له موقف من العلاقة مع الصين أيضاً. يشبه هذا الأمر التصويت في ما عُرف بـ«البريكست» أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. هو تصويت ضدّ الهجرة، وضدّ المصارف وضد المؤسسات الأوروبية. «من هم الذين عوقبوا بعد أزمة 2008؟




شراكة بين BLF والبلمند

محاضرة الأب بول الدويهي ألقيت في قاعة «ذي فلور» في مبنى البنك اللبناني الفرنسي في منطقة برج المرّ. تأتي هذه المحاضرة من ضمن اتفاق شراكة بين البنك اللبناني الفرنسي ومركز دراسة الاقتصاد والأسواق المالية التابع لجامعة البلمند. الشراكة بدأت في عام 2007، وبموجبها يرعى البنك اللبناني الفرنسي الأبحاث والتحاليل والدراسات السوقية التي يجريها المركز، فضلاً عن رعاية تدريب الطلاب على شؤون الاقتصاد وأسواق رأس المال، كما تصدر عنه تقارير يومية وأسبوعية وشهرية.