قد تكون تعبئة المياه، من الأعمال الأكثر ربحية في لبنان وأكثرها نمواً، رغم أن الأسعار مستقرّة ولم تتغيّر منذ أكثر من عقد. فهي استفادت من غياب الدولة الأوّل عن تحقيق الإنماء المتوازن وإيصال المياه إلى كلّ المواطنين، وغيابها الثاني في تأمين مياه شفّة نظيفة وصالحة للشرب، خصوصاً أن الكثير من شبكاتها متهالك (يعود إلى ستينيات القرن الماضي) أو متقاطع مع مياه الصرف الصحي أو مياه البحر (نتيجة انتشار الآبار الارتوازيّة العشوائيّة).


فاستقطبت هذه الشركات المستهلك اللبناني الذي ارتمى أو رُمي في أحضانها، قبل أن تتوجّه إلى المستهلك العربي الذي يعاني فقراً مائياً لزيادة حجم أعمالها. وعلى هامش هذا القطاع، برز آخر مثيل له، ولكن غير قانوني، ممثلٌ بالشركات غير المرخّصة التي تشكّل نحو 85% من شركات تعبئة المياه، وتستقطب، رغم عدم ملاءمتها الشروط الصحيّة، نسبة كبيرة (غير محدّدة) من المستهلكين، لكون أسعارها منخفضة وتناسب الوضع المعيشي المتدني لشريحة كبيرة تبحث عن سلع استهلاكيّة أرخص ثمناً.
إذاً، تشتمل سوق المياه المعبّأة اللبنانيّة على ثلاثة نماذج وهي المياه المعبّأة المرخّصة يبلغ عددها بحسب وزارة الصحّة العامة 42 شركة، والمياه المعبأة غير المرخّصة (عددها غير محدّد، ولكنّه وصل عام 2007 إلى أكثر من 300 شركة، فيما يتخطّى اليوم الألف شركة)، والمياه المعبّأة المستوردة من الخارج وتشمل ثماني علامات تجاريّة وهي: Perrier، San Pellegrino، Acqua Panna، Contrex، وVittel التي توزّعها شركة نيستله، وEvian، Badoit، وVolvic التي توزّعها شركة KFF للأغذية والمشروبات.

الحصص السوقيّة

هناك أربعة أنواع رئيسيّة من المياه المعبّأة، تختلف باختلاف مصدر استخراج المياه:
1- المياه المعدنيّة الطبيعيّة التي تستخرج من المياه الجوفيّة المحميّة من مخاطر التلوّث، وهي ذات تركيبة معدنيّة ثابتة، تعبأ مباشرة من مصدرها، دون أن تخضع لأي علاج.
2- مياه الطاولة، وهي بحسب تعريف وزارة الصحّة العامّة، المياه النظيفة الصالحة للشرب، ولكنها تفتقر للمعادن الصحيّة.


تعبّئ شركات المياه
المرخّصة من 700 إلى 800 مليون ليتر من المياه سنوياً


3- مياه الينابيع تركيبتها المعدنيّة قابلة للتغيير، وتسمّى بحسب مصدر استخراج المياه.
4- المياه المُعالجة التي تعتمد على تدخّل العنصر البشري لتصبح صالحة للشرب، ويمكن أن يكون مصدرها أي نوع من إمدادات المياه، مثل المياه المحلّاة ومياه الصرف الصحي في لبنان.
نصف الشركات المرخّصة في لبنان مصنّفة في خانة «مياه الطاولة». وعموماً، يفضّل المستهلك اللبناني المياه المعدنيّة الطبيعيّة. وعملياً، هناك أربعة من ضمن اللاعبين الخمسة الكبار في هذا المجال، يبيعون هذا النوع. بحسب بيانات Nielson (التي تشمل قطاع التجزئة دون مبيعات المنازل والمؤسّسات)، وهي شركة متخصّصة بدراسة اتجاهات المستهلكين وسلوكيّاتهم، تُعدّ نستله اللاعب الأكبر في السوق اللبنانيّة في قطاع البيع في التجزئة، وتبلغ حصّتها السوقيّة 27% (نظراً إلى الدمج الحاصل بين علامتيها التجاريتين المحليتين «نستله بيور لايف» التي تشكّل 15% و»صحّة» التي تشكّل 12%)، فيما تبلغ حصّة تنورين السوقيّة 15%، وحصّة ريم 11%، وحصّة صنين 4%. تحجز هذه العلامات الخمس لنفسها 57% من حجم السوق المحليّة. مع الإشارة، إلى وجود لاعبين رئيسين آخرين، هما منى والسبيل، زبائنهم البيوت اللبنانيّة والمؤسّسات، إضافة إلى دخول أكوافيما (تنتجه شركة بيبسي) كوافد جديد إلى سوق تعبئة المياه في لبنان في عام 2016.

حجم سوق المياه

تعبّئ شركات المياه القانونيّة والمرخّصة في لبنان، من 700 إلى 800 مليون ليتر من المياه سنوياً، وهذا الرقم مرشّح طبيعياً للارتفاع بعد إضافة عمل الشركات غير المرخّصة إليه. لا شكّ أن هذه السوق تنمو تصاعدياً كون المياه من الحاجات الحياتيّة الأساسيّة والضروريّة، ونظراً إلى ارتباطه بالزيادة السكانيّة. ما يجعل الطلب على هذا النوع من المنتجات متفلتاً من تقلّبات الأسعار.
يقدّر حجم هذه السوق بنحو 300 مليون دولار أميركي، وهو يتزايد سنوياً. من حيث الحجم (يقاس لناحية معدّل الاستهلاك بين الأحجام المختلفة للعبوات)، بلغ النمو السنوي 2% خلال عامي 2013 و2014، ووصل إلى 5% في عام 2015. أمّا من حيث القيمة، نمت هذه السوق بنسبة 6% في عام 2013، ونسبة 10% في عام 2014، ونسبة 6% في عام 2015. وتجدر الإشارة إلى أن نمو القيمة يتجاوز نمو الحجم، كون المستهلك يميل أكثر إلى استهلاك الأحجام الصغيرة من المنتجات.
بين الفترة الممتدة من عام 2007 إلى عام 2010، حاكى النمو المسجّل في كبرى شركات المياه المعبأة، النمو الاقتصادي المرتفع نسبياً المحقّق خلالها والذي تراوح بين 8 و10% والتي اعتمدت بأغلبها على الزيادات المحقّقة في قطاعات السياحة والبناء والعقارات، والذي انعكس انتعاشاً على الفنادق والمطاعم التي رفعت الطلب على زجاجات المياه المعبأة. لكن بعد اندلاع ثورات «الربيع العربي»، الذي انعكس على نمو الاقتصاد اللبناني وتحديداً العقارات والسياحة، تراجعت مبيعات المياه المعبأة إلى الضعف.

الصادرات والواردات

في عام 2015، استورد لبنان 3.67 مليون دولار من المياه، وهو ما يوازي بالحجم 4.92 مليون ليتر. أما مصدر الاستيراد فكان فرنسا في المرتبة الأولى بنسبة 85.15% من إجمالي قيمة الواردات وبقيمة 3.13 مليون دولار. تليها إيطاليا بنسبة 12.34% بقيمة 454 ألف دولار. ويأتي هذا التفاوت بين فرنسا وإيطاليا منطقياً، كون 7 علامات تجاريّة من أصل 8 مستوردة إلى لبنان مصدرها فرنسا، فيما العلامة الوحيدة المستوردة من إيطاليا هي San Pellegrino. علماً أن لبنان استورد في عام 2012، بقيمة 2.85 مليون دولار بحجم 5.49 مليون ليتر. وفي عام 2013 بقيمة 2.85 مليون دولار بحجم 4.80 ليتر. في عام 2014 بقيمة 3.04 مليون دولار بحجم 4.49 مليون ليتر. وحتى حزيران 2016 استورد بقيمة 3.75 مليون دولار بحجم 4.74 مليون ليتر.

تستحوذ خمس علامات
تجاريّة على 57% من حجم
السوق المحليّة


في المقابل، صدّر لبنان في عام 2015 نحو 4.34 مليون دولار من المياه، وهو ما يوازي بالحجم 24.93 مليون ليتر. 22% من إجمالي الصادرات بقيمة 955 ألف دولار أميركي وجهتها قطر، 21% بقيمة 917 ألف دولار وجهتها الكويت، و19% بقيمة 826 ألف دولار وجهتها المملكة العربيّة السعوديّة. وتحتلّ هذه الدول المراتب الثلاث الأولى لناحية وجهة التصدير، كون الطرق التجاريّة البريّة أغلقت بسبب الحرب السوريّة، فتمّ اللجوء إلى الشحنات البحرية، والتي تعدّ أكثر كلفة، وهو ما يفسّر الانخفاض الكبير في قيمة الصادرات من 14.09 مليون دولار أميركي عام 2014 إلى 4.34 مليون دولار أميركي عام 2015. علماً أنه صدّر في عام 2012 بقيمة 6.11 مليون دولار بحجم 32.17 ليتر. في عام 2013 بقيمة 12.06 مليون دولار بحجم 40.59 مليون ليتر. وحتى حزيران 2016 صدّر بقيمة 3.38 مليون دولار وبحجم 19.58 مليون ليتر.
من المتوقّع استمرار نمو هذا القطاع في لبنان، بقدر ما تواصل الدولة تجاهل تنظيم هذا القطاع، واستفادة الشركات من هذا الواقع، وتكييف استراتيجياتها مع الطلب ومعطيات السوق، خصوصاً أن استهلاك المياه الطبيعيّة يرتفع بالتواتر مع نمو الميل نحو اتباع حياة صحيّة، التي ساعدت الحملة التي شنّتها وزارة الصحّة العامّة على الشركات غير المرخّصة في تعزيزها، وهو ما يفسّر تالياً انحصار التنافس بين الشركات المرخّصة على نوعيّة المياه المقدّمة ومكوّناتها، من دون شمول الأسعار فيها.

للصورة المكبرة انقر هنا







توزّع شركات المياه

يُعدُّ منتج المياه المعبّأة ذات قيمة منخفضة، لذلك تلعب وجهة التوزيع دوراً مهماً، باعتبار أن الكلفة سترتفع كلّما ابتعدت المسافة، وكون التوزيع يحتل القسم الأكبر من كلفة الإنتاج. وهذا ما يفسّر انتشار كلّ شركة في مناطق تواجدها مع حفاظها على تواجد أقل في المناطق الأخرى، على سبيل المثال، تنتشر تنورين في شكل أوسع في الشمال، وصنين في المتن وكسروان، وريم في المتن والجنوب والبقاع.