لم يكن الوزير مروان حمادة ينوي تعكير صفوة عقله المُنكبّ على كتابة مذكّراته في كتابين، بحقيبة وزارية، ضمن حكومة عمرها المتوقّع مرهونٌ باستحقاق الانتخابات النيابية المقبلة. هي المهمّة الأخيرة ربّما، أو سفينة الهروب من صخب العمل السّياسي اليومي إلى سكون القراءة والكتابة.


لكنّ وليد جنبلاط، رئيس اللقّاء الديموقراطي وصديق عمره، أراد لحمادة أن يحجز مكاناً إلى جانب الرئيس سعد الحريري على طاولة مجلس الوزراء، فيكون سنداً له في وجه «التسونامي» الحكومي القادم، فاختار حمادة للتربية، وإلى جانبه أيمن شقير، ابن بلدة أرصون في المتن الأعلى. وبهذا الاختيار، يتخفّف جنبلاط أيضاً من تكرار الأسماء ذاتها لتولّي الحقائب الوزارية، ومن أن يُضطرّ إلى توزير النائب غازي العريضي، بعد أن استتب السِّلْم بينهما. وربّما، إذا اختار جنبلاط بعدها تغيير نوّابه، يكون قد كافأ حمادة كـ «تعويض لنهاية الخدمة»، بحقيبة التربية وخدماتها، التي يجيد حمادة إدارتها واستثمارها انتخابياً وتأسيس العلاقات عبرها، كما استثمر قبلها في الصّحة والاتصالات. غير أن المقعد الدرزي الثاني في الشوف، بعد مقعد آل جنبلاط الأوّل، يكون دائماً من حصّة بعقلين، واسم كريم حمادة، ابن الوزير القريب من والده في الوزارات والعمل السّياسي، أكثر الأسماء تداولاً لخلافة مقعد والده، حالما يخلف تيمور جنبلاط مقعد العائلة بعد أبيه. ومع أن مروان حمادة ينفي لـ«الأخبار» أن يكون قد بدأ الحديث عن ترشحه من جديد أو عدمه في الشّوف أو ترشّح ابنه، لأن «هذا الأمر متروك للنقاش مع الناخبين وأهلنا ومع الحزب الاشتراكي ووليد بيك»، وأنه ليس من ثقافته التوريث السياسي. لكنّ ما يُهمس به هنا وهناك في أروقة الحزب ورئاسته والأصدقاء، أن مروان لن يترشّح، كذلك فإن النائبين أكرم شهيّب والعريضي لن يترشّحا، وإن مقعد بعقلين يُحدّد مصيره بالتراضي بين حمادة وجنبلاط، والأوفر حظّاً هو كريم.
عاش مروان حمادة ابن السفير محمد علي حمادة من أم فرنسية، دهراً من السياسة اللبنانية والإقليمية والدولية. صاحب الـ 77 عاماً، كان دائماً متفوّقاً في عمله. 15 عاماً في الصّحافة، عاصر أهمّ الأحداث وغطّاها من حرب فييتنام إلى حرب 1973 والثورة الإيرانية في 1979، لينتقل بعدها إلى السياسة، ويبقى «طبّاخاً» في مطبخ جريدة النّهار، إلى جانب صهره زوج أخته ناديا، ناشر الجريدة غسّان تويني. أمّا في السّياسة، فهو صديق السّفارات الخليجية والأجنبية، الأميركية والفرنسية على وجه الخصوص، على ما كشفته وثائق «ويكيليكس». تعود علاقته بالرئيس رفيق الحريري إلى لقاءين، في باريس، ثم في دمشق عام 1983، يوم رافق الحريري الأمير بندر بن عبد العزيز، ولم تنقطع من يومها. له بصماته في التفاوض على حرب الجبل والاتفاق الثلاثي، وكان حاضراً في اتفاق الطائف. يتلوّن مروان حمادة في كلّ عهد، من صديق السوريين في ما بعد الطائف، إلى عدوّهم قُبيل محاولة اغتياله، التي اتهمهم بها، وحماسته لـ 14 آذار وما سُمي «ثورة الأرز». لكنّه ما لبث أن عاد إلى مناسبات السّفارة السورية واستقبال الرئيس السوري بشّار الأسد في مطار بيروت، مستذكراً كلماته وتفخيمه بحزب البعث العربي الاشتراكي ذات زمن. هو صديق وليد جنبلاط الأبدي، لكنّهما كانا يبتعدان أحياناً، مرّة لأن البيت الوحيد الذي يفتح أبوابه في الشوف لاستقبال طالبي النعمة ومقدّمي الولاء والطاعة هو بيت المختارة، ومرّة أخرى لأن جنبلاط استسلم سريعاً في أحداث 5 أيار 2008، ومرة لأن جنبلاط ترك الحريري وحيداً وبايع نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة. في السنوات الماضية، تحوّل حمادة وديعةً للحريري عند جنبلاط، وممرّاً لجنبلاط إلى قلب الحريري. يقول رئيس الاشتراكي: «بدأت السياسة مع مروان وأتركها معه». ولحين يترك جنبلاط المساحة الكاملة لجنبلاط «جونيور»، لا بدّ أن يستعد مروان حمادة، ليركّز على مذكّراته القيّمة، التي كان يضع سقفاً زمنياً للانتهاء من إعدادها ونشرها لا يتجاوز العام الواحد، قبل وزارة التربية طبعاً.
أمّا شقير، وزير الدولة لشؤون حقوق الإنسان، فمآثره في السياسة والعمل الاجتماعي تكاد تكون معدومة. ابن اللواء شوكت شقير رئيس الأركان السوري السابق، والمتخرج في قسم الاقتصاد من الجامعة الأميركية، ليس من صنف حمادة أو شهيّب أو غيرهما من الذين اعتاد جنبلاط العمل معهم. وقد تكون ميزتاه الوحيدتان أنه ابن شوكت شقير وصديق جنبلاط الشخصي. ابن أرصون، بالكاد يفتح بيته للزّوار، ويقلّص زياراته لقاعدة الاشتراكيين في المتن الأعلى إلى حدودها الدنيا وفي المناسبات البارزة، وآخر مرّة حمل فيها بطاقة الاشتراكي كانت أيام الجامعة، في منطقة يوجد فيها أكفأ وكلاء داخلية الحزب الاشتراكي وأكثرهم حنكة. يدرك جنبلاط أن المقعد الدرزي في بعبدا لم يعد من حصّته، خصوصاً بعد التحوّلات الأخيرة ووصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، وتحالفه مع حزب الله، وورقة «إعلان النوايا» مع حزب القوات اللبنانية، وأن أمل شقير في النيابة بات معدوماً. وماذا أسمن من وزارة دولة لشؤون حقوق الإنسان يقدّمها جنبلاط لصديقه «الأرستقراطي الدرزي» كما يصفه أصدقاؤه، في عزّ موضة «حقوق الإنسان» ومنظّمات «المجتمع المدني»، في منطقة ملتهبة بالقتل باسم الله وعلى الهويّة، وفي بلد حقوق الطوائف. يقول شقير لـ«الأخبار» إنه «لا يركض خلف المناصب ولا يهتمّ للسياسة كثيراً»، لكن «بما أنها حصلت الآن، سأسعى لأقوم بواجبي كاملاً». انتشرت شائعة مرّةً أن شقير مصاب بداء السرطان، ولهذا السّبب لا يجد الوقت لاستقبال المراجعين وطالبي الخدمات. وحين سأل أحد الرفاق الاشتراكيين صديقه شقير عن صحة الإصابة بالمرض، نفاه جملةً وتفصيلاً. بدأ الرّفيق بتكذيب الشائعة، إلى أن تلقّى اتصالاً من شقير ينهاه فيه عن الأمر، مؤكّداً أنه صارحه هو وليس لتكذيب الشائعة. فربّ شائعة تُبعد عن دار معالي الوزير المقتدر، «متطفلي» الخدمات وزوّار الواجب والطاعة!