ما أن حطّت الطائرات الحربية الروسية في قاعدة حميميم الجويّة السورية، في أيلول 2015، حتى اختلّ الميزان العسكري على السواحل الشرقية والجنوبية للبحر المتوسّط، والتي بقيت طويلاً حكراً على القوات البحرية والجويّة لتحالف «الناتو» وتوابعه في المنطقة.


ولا شكّ في أن موسكو تخوض كباشاً مع «الناتو» والولايات المتّحدة لفرض نفوذها الجديد، انطلاقاً من وجود «القوات الجوــــ فضائية» الروسية وقطعها البحرية في سوريا والمتوسّط، وامتدادات الصّراع إلى أوروبا الشرقية وإفريقيا الشمالية. إلّا أنها تمكّنت، منذ اللحظات الأولى لانطلاق عملها العسكري في سوريا، من نسج علاقات عسكرية متقدّمة مع الجيش المصري، الشّريك الأبرز للولايات المتحّدة في القارة السمراء، وصلت حدّ الحديث عن نية روسيا تزويده طائرات حديثة، وإجراء مناورات بحرية وجويّة مشتركة في المتوسّط، للعام الثاني على التوالي، تحت عنوان «مكافحة الإرهاب». كذلك تمكّنت من نسج علاقة تنسيق متقدّمة مع الجيش الأردني، أحد أبرز الجيوش العربية التي تتبع النّسق الغربي، وثاني متلقّي للمساعدات العسكرية الأميركية في العالم العربي، والذي تشكّل بلاده قاعدة متقدّمة للطائرات الغربية.
لكنّ ما يسري على الأردن ومصر، يبدو أنه لا يسري حتى الآن على لبنان، مع أنه الأكثر حاجة للتعاون مع روسيا بفعل دورها في مكافحة الإرهاب على مقربة من حدوده. فالدور العسكري الروسي في محافظة حمص، على الأقلّ، يخدم لبنان بقدر ما يخدم سوريا، في وقت تقوم فيه دول أعضاء أو شريكة لـ«الناتو» بدعم الإرهابيين وتزويدهم بالسلاح والعتاد. ولا شكّ أيضاً أن قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجويّة، أقرب إلى لبنان من قاعدة الناتو في «إنجرليك» التركية.


وقّع قهوجي عقدين
لشراء السّلاح من موسكو
في أيار 2015


قد يكون مفهوماً أن تحرص واشنطن على علاقة فوق العادة مع الجيش اللبناني، في ظلّ وجود سلاح حزب الله وقدرة المقاومة العسكرية بشرياً وماديّاً. وفي هذا السياق تحرص على دعوة لبنان إلى اجتماعات «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن بحجّة ضرب تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، مع أنه ليس عضواً في هذا التحالف، ويشارك الجيش في مناورات «الأسد المتأهب» لأميركا وحلفائها، ويحصل على مساعدات عسكرية أميركية لقتال الجماعات التكفيرية، لكنّها حتماً لا يمكن أن تشكّل عاملاً ردعياً أو تساهم في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، والخروقات الجوية والبحرية والاستخبارية اليومية للسيادة اللبنانية.
لكن من غير المفهوم أن ينصاع جزء من اللبنانيين لعدم تنويع مصادر السّلاح بضغط من واشنطن، وإبقاء اتفاقيات التعاون العسكري والتّقني مع الجانب الروسي الموقّعة عام 2010 حبراً على ورق، أو التأخر في تنفيذ عقود شراء السّلاح التي يحتاجها الجيش في حربه ضدّ الإرهاب، وفي مواجهةٍ محتملة مع العدو الإسرائيلي، من دون حجج مقنعة.
قبيل الحديث عن هبة المليار دولار التي منحتها الرياض للرئيس سعد الحريري في آب 2014، كان الجيش قد وضع لائحة بالأسلحة الروسية التي يحتاجها في معاركه مع الإرهاب. وبلغت تقديرات سعر السّلاح المطلوب حوالي 150 مليون أميركي من السلاح الروسي، من أصل مليار و600 مليون دولار للخطة الخمسية لتسليح الجيش. ومن بين الأسلحة الروسية، أحدث نسخة من صواريخ «كورنيت» المضادة للدروع والخارقة للتحصينات، والتي تفيد في قتال التكفيريين وفي صدّ أي هجوم برّي إسرائيلي، إضافة الى مدرّعات ومدافع وذخائر وقذائف متنوّعة، والأهم صواريخ «Egla s»، الأكثر تطوّراً بين صواريخ الدّفاع الجوي الروسية المحمولة على الكتف.
وبعد أخذٍ وردّ، وضغوطات كبيرة مورست على الحريري وغيره ـــــ كتلك التي مارسها السفير الأميركي السابق ديفيد هيل على الحريري والرئيس السابق ميشال سليمان ووزير الدفاع السابق الياس المرّ عام 2008، لرفض هبة روسية ــــ تقلّصت عقود السّلاح مع موسكو إلى عقدين بقيمة 37 مليوناً و600 ألف دولار. وقد وقّع الجيش العقود نهاية 2014، لكنّ هبة المليار طارت، بعدما كانت مصانع السّلاح في موسكو قد وضّبت الطلبيات وجهزّتها، ومن بينها 250 صاروخ «كورنيت em» مع 24 منصّة إطلاق. وفي تشرين الثاني 2015، صوّت مجلس النّواب على قانون لتسليح الجيش، بضغط من الرئيسين نبيه برّي وميشال عون، بعد أن كان برّي قد طلب من الحريري، إثر تلقّيه هبة المليار، تنويع مصادر السّلاح. وعلى رغم التأخير في التنفيذ، عدّل الجانب الروسي العقود من دون أي بندٍ جزائي، ووُعد الرّوس بفتح اعتماد مالي في مصرف لبنان، ووقّع قائد الجيش العماد جان قهوجي العقود في 26 أيار 2016.
وبحسب معلومات «الأخبار» فإنه لا مانع ماديا أو تقنيا من تنفيذ العقود بعد تأكيد الوزير علي حسن خليل لوزير الدّفاع السابق سمير مقبل أنه يمكن تغطية تكاليف العقدين من الموازنة العامة. كما أن الجيش يملك المال الكافي. لكن يبدو أن العائق الوحيد كان إصرار مقبل على وضع العقدين في «الجارور» منذ أيار الماضي في سياسة لا تخدم سوى الجماعات التكفيرية والعدو الإسرائيلي، تنفيذاً لضغوط أميركية، في عزّ حاجة الجيش للسلاح في مواجهة الجماعات التكفيرية والأطماع الإسرائيلية، مع أن مقبل (المحسوب على سليمان) زار موسكو بداية العام الجاري، ووعد الروس بتطبيق العقود وتفعيل التّعاون العسكري بين البلدين.