أصدرت منظّمة «هيومن رايتس ووتش» تقريراً، أمس، كشفت فيه عن تعرّض لاجئ سوري للاحتجاز والتعذيب في شباط الماضي، للاشتباه بمثليته الجنسيّة. بحسب التقرير، احتجز شادي (اسم مستعار) لدى عناصر الجيش والأمن، وعذّب على مدى 5 أيّام في مراكز المخابرات والشرطة العسكريّة ووزارة الدفاع وقوى الأمن الداخلي.


وخصّصت جميع جلسات الاستجواب لانتزاع اعتراف منه بممارسة الجنس مع رجال أو معاقبته لأنه مثلي، ولم يسمح له خلالها بالاتصال بمحامٍ، كما لم يبلّغ بالتهم الموجّهة إليه ولم يمثل أمام قاضٍ.

رحلة التعذيب

تفيد «هيومن رايتس ووتش»، بأن عناصر مسلّحين من الجيش اقتحموا خلال الشتاء الماضي شقّة يسكنها لاجئون سوريون في جونية، فاستجوبوهم وضربوهم، واستقصوا عن ميولهم الجنسيّة، واحتجز على أثرها شاب (شادي) من دون معرفة تهمته، ونقل إلى فرع المخابرات في صربا (جونية) حيث عصّبت عيناه وجرّد من ملابسه وعُذّب وضرب بالعصيّ ولُكم على وجهه خلال جلسة استجواب دامت لساعتين، ثمّ أجبر على توقيع على ورقة لم يقرأ مضمونها، ونقل إلى وزارة الدفاع في اليرزة. هناك، تعرّض لجولة أخرى من التعذيب، اقتيد إلى غرفة تحقيق تحت الأرض واستجوب لأكثر من 4 ساعات عن ميوله الجنسيّة. وتعرّض للضرب على كامل جسده، إلى أن انتزع منه اعتراف بأنه يمارس الجنس مع شركائه الذكور في السكن، من دون أن تخلو جلسات التحقيق من تعليقات عنصريّة ردّدها المحقّقون مثل «ألا يكفي أنك لاجئ؟ ولوطي أيضاً! تأتون إلى هنا وتوسخون بلدنا. لا مجتمعنا ولا الله يقبل ذلك».
رحلة شادي مع التحقيق لم تنتهِ في وزارة الدفاع، بل نُقل بعدها إلى مركز الريحانيّة التابع للشرطة العسكريّة. هناك، أخضع لفحص شرجي قسراً، وبات ليلته في الزنزانة مكبّلاً إلى حائط. يشار إلى أن هذه الفحوص لا تملك أي قيمة إثباتيّة، وليست إلّا أحد أشكال المعاملة الوحشيّة وغير الإنسانيّة والمهينة والتي ترقى إلى مستوى التعذيب. وفي اليوم التالي، تجدّدت جولة الضرب والشتم في غرفة تحقيق تحت الأرض، قبل أن ينقل إلى سرية الدرك في جونية، حيث تعرّض لممارسات مماثلة مثل «الفلقة» بواسطة العصي والقضبان والسياط، قبل أن يُنقل الى مخفر حبيش في بيروت ومن ثم أطلق سراحه.

تعذيب مُمنهج

المقابلة أجرتها «هيومن رايتس ووتش» مع شادي في آذار الماضي، إلّا أنّها أجّلت نشرها حتى انتهاء معاملات إعادة توطينه في بلد أوروبي. وخلال هذه الفترة، وجّهت المنظّمة رسائل إلى وزارتي الدفاع والداخليّة ومخابرات الجيش والشرطة العسكريّة وقوى الأمن الداخلي، تسرد فيها مزاعم التعذيب وتطلب إجراء تحقيق شامل، وهو ما ردّت عليه وزارة الداخليّة بعد شهر ونصف شهر (في13 كانون الأوّل الحالي) بأن لديها إجراءات لتقديم الشكاوى، فهي لا يمكنها البدء بأي تحقيق ومعاقبة أي عنصر لديها من دون تقديم شكوى شخصيّة من الضحية المُفترضة.
يكاد يكون التعذيب رائجاً في السجون اللبنانيّة، وهو أشدّ حدّة على الأشخاص المستضعفين، وشادي (اللاجئ السوري المثلي) هو أحد النماذج عن ذلك. تشير المنظّمة إلى أن ما تعرّض له شادي موثّق بموجب تقارير طبيّة شرعيّة، تؤكّد وجود سوائل في أذنيه، وبروز الأورام والكدمات على جسمه جراء الضرب. وتشير لمى فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظّمة إلى أن لبنان لا يحقّق كما يجب في مزاعم التعرّض للتعذيب وسوء المعاملة من قبل القوى الأمنيّة، ولا يبادر إلى اتخاذ أي عقوبة، رغم أن التقارير الدوريّة الصادرة عن المنظّمة وثّقت انتشار استعمال التعذيب من عناصر الأمن الداخلي ضد المجموعات المُستضعفة مثل مدمني المخدّرات والعاملين في الجنس والمثليين لضمان انتزاع الاعترافات في الإجراءات الجنائيّة ولمعاقبة الضحايا على الأعمال التي يُعتقد أنهم قد ارتكبوها. ففي تموز 2013، رصدت 7 حالات تعذيب محتجزين في سجون عسكريّة، من ضمنهم طفلان بعد مواجهات مع أتباع أحمد الأسير في صيدا».

حمّام الآغا وملهى غوست

لا تتوقف انتهاكات حقوق المثليين وتعريضهم للتعذيب بسبب ميولهم الجنسيّة هنا. فقد شهد لبنان نماذج أخرى للرهاب من المثليّة، والتعدّي على الحريّات الفرديّة والجنسيّة. قد تكون مداهمة حمّام الآغا، في آب 2014، نموذجاً فاقعاً عن ذلك، بعد ورود معلومات عن أعمال وصفت بـ»المشبوهة» داخله. يومها، اعتقل مكتب حماية الآداب في وحدة الشرطة القضائيّة 28 شاباً في حمام تركي في فردان بتهمة «ممارسة الجنس الجماعي والشذوذ الجنسي». تعرّض الموقوفون للتعذيب خلال التحقيقات، بحسب إفاداتهم التي صرّحوا بها لاحقاً، ولم ترد في محاضر التحضير، من الضرب المبرح بالعصي والقساطل الحديديّة والأسلاك على الرأس وكامل الجسم والركل، وما يتبعها من إذلال عبر إجبار الموقوفين على خلع ملابسهم والوقوف عراة.
وقبلها في أيار 2013، داهمت شرطة بلديّة الدكوانة والقوى الأمنيّة، من دون تنسيق مع النيابة العامّة، ملهى Ghost الذي يرتاده مثليون جنسياً، فاعتقل أربعة أشخاص واعتدي عليهم داخل المخفر، حيث صوّروا عراة. يومها، تنطّح رئيس بلدية الدكوانة أنطوان شختورة عبر الشاشات للتباهي بـ»رهاب المثليّة» الذي يتملّكه، وبإنجازاته بإقفال الملهى من دون أي إشعار قانوني بحجّة ترويجه لـ»الشذوذ الجنسي والانحلال الأخلاقي»، ولإفراغ خطابه العنصري والتمييزي باعتبار أنه «لن يسمح بحدوثه في منطقته»، التي وصفها بـ»قلعة الصمود، والتي لا يجوز أن تحوي أنصاف رجال وأنصاف نساء».

ماذا عن اللبنانيين غير المرحّلين؟

بحسب المدير التنفيذي لجمعيّة Proud Lebanon، بيرتو ماكسو، لا تتوقف المضايقات التي يتعرّض لها المثليون على ذهنيّة المجتمع اللبناني التي تميّز المثليين وتنفّس عنصريّتها فيهم، بل تشتمل على كيفيّة تطبيق القوانين المرعية الإجراء، ويضيف ماكسو أن «المادة 534 من قانون العقوبات تجرّم العلاقات الخارجة عن الطبيعة بالسجن من 3 أشهر إلى سنة، وبدفع غرامة ماليّة تراوح بين 200 ألف ليرة ومليوني ليرة لبنانيّة، علماً بأن تعريف العلاقة الخارجة عن الطبيعة مطّاطي، ولا يطاول المثليّة الجنسيّة، التي أثبت العلم منذ عقود أنها ليست مرضاً نفسياً تنمّ عنه ممارسات غير طبيعيّة».
ويستند ماكسو إلى اجتهادات قضائيّة، من ضمنها تلك التي عبّر عنها القاضي منير سليمان في إحدى ندوات جمعيّة Proud حول الفئات المهمّشة. يفيد سليمان بأن هذه المادة صيغت بعبارات واسعة غير واضحة وشاملة، تترك مجالاً واسعاً للتفسير والتأويل بقدر مخيّلة المحقّق أو من يتولّى سلطة الملاحقة. فباتت تطبّق في لبنان على المثلية الجنسيّة، وبعض العلاقات الجنسيّة. أولاً لشمولها الكلّ (العلاقة المثليّة وغير المثليّة)، وثانياً لشمولها كلّ أنواع الاتصال الجنسي، وثالثاً لتفسيرها الطبيعي من دون تحديد معايير هذا التفسير، إن كان عبر اعتماد المفاهيم الدينيّة في بقعة يتقاسمها النفوذ الطائفي الذي يتدخّل بالحياة الحميميّة للفرد، أو النظريات الفلسفيّة خصوصاً أن الحديث عمّا يخالف الطبيعة هو بحدّ ذاته مخالفة للطبيعة باعتبار أن ما من قاعدة تشير إلى كون المختلف عمّا هو رائج هو حكماً غير طبيعي.
يذكّر ماكسو بأن المثليين ليسوا فقط من اللاجئين السوريين الذين يلقى بعضهم عناية الجمعيّات الدوليّة، وإنّما من المواطنين والمقيمين، باعتبار أن هناك حالات فرديّة كثيرة مثل «فتاة متحوّلة جنسياً اعتقلت في مخفر الرملة البيضاء وبقيت لمدّة 3 أيام موثوقة على كرسي غرفة التحقيق لعدم معرفة عناصر الأمن إن كان عليهم سجنها في سجن النساء أو سجن الرجال». فهؤلاء يتعرّضون للمضايقات وللتمييز والتعذيب، وتنتهك حرمتهم وكرامتهم، ويحاكمون بتجريدهم من حقوقهم المدنيّة فقط بسبب ميولهم الجنسيّة، من دون أن يكون هناك أي جهة تحميهم.