اغتيالٌ، فحربٌ صغيرة على مدى يومين متتاليين، أعادت مخيّم عين الحلوة للنازحين الفلسطينيين في مدينة صيدا الجنوبية إلى واجهة الأحداث الأمنية اللبنانية. ومع أن اشتباك أمس، الذي تلا تشييع سامر نجمة ومحمود صالح اللذين قُتلا في وضح النهار في المخيّم (بإطلاق نارٍ مباشر عليهما من مُسَلَّحَين أخفيا وجهيهما عن كاميرات المراقبة الموزّعة في أرجاء عاصمة الشتات الفلسطيني)، انتهى بوقفٍ «مؤقّت» لإطلاق النار، بعد مفاوضات عسيرة أجرتها الفصائل الفلسطينية والسفير الفلسطيني أشرف دبّور واستخبارات الجيش اللبناني، إلّا أن أحداث الأيام الماضية لا تبدو كسابقاتها، من حيث التوقيت والاستهداف لدور «عصبة الأنصار» كحالة إسلامية تلعب دور التهدئة، في وقت يتناغم فيه التوتّر المتصاعد مع إيقاع عام في المنطقة وفلسطين، خصوصاً في مرحلة ما بعد الانتخابات الأميركية، وما تؤشّر إليه سياسة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب تجاه فلسطين والمسألة الفلسطينية.


في عين الحلوة ألف لغمٍ ولغمٍ معدّة للانفجار، وحادث الاغتيال قد يكون مكانه أي حادثٍ أمني آخر. فوضى السلاح تبدو مستعصية على المعالجة، وانتشار المطلوبين الأمنيين وذوي الارتباطات بالجماعات التكفيرية معضلة من دون حلٍّ لا يكلّف دماً، فضلاً عن الفقر والعوز اللذين يسلّطان ظلمهما فوق رقاب الفلسطينيين المتعبين، والنظرة الأمنية التي لا تجد الدولة اللبنانية بدّاً منها في التعاطي مع الفلسطينيين، وعين الحلوة تحديداً، فضلاً عن ارتفاع منسوب العصبيّات المذهبية والطائفية في لبنان والإقليم. ومَن أَنسَب من الفلسطيني، ومؤخّراً النازحين السوريين، لاتخاذهم «عدوّاً» أو «بعبعاً» لزيادة منسوب العصبيات؟
وليس خافياً أن إقامة جدار عازل حول عين الحلوة كانت فكرةً جنونيةً غير قابلة للتطبيق من دون حرب أهلية لبنانية، بمعزلٍ عمّن فكّر فيها أو حاول تنفيذها، فيما تردّد أنها فكرة قديمة تعود إلى ما بعد الانسحاب السوري من لبنان في 2005. حتى إن الرئيس نبيه برّي الذي سمع بفكرة الجدار العازل بدايةً من رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، بقي برهةً من الوقت غير مصدّق أن هناك من يطرح هذه الفكرة فعلاً، لكنّه لاحقاً أبلغ المعنيين أن هذا الأمر «من سابع المستحيلات».


بدت المعارك
استمكالاً لرصاص الابتهاج باغتيال السفير الروسي في تركيا

بعد الضجّة التي أثارها موضوع الجدار العازل (تقول مصادر متابعة إن الجيش لم يكن ينوي إقامة جدار كامل، بل شبه جدار لتطويق الأماكن التي يسيطر عليها إسلاميون متشدّدون في غرب المخيّم وجنوبه وفصلها عن مناطق البساتين)، اتفقت الفصائل الفلسطينية مع استخبارات الجيش على إعداد خطّة أمنية ــ عسكرية ــ سياسية تكون بديلاً من الحلول الأمنية الصرفة، لمعالجة أزمة الفوضى وانتشار السلاح في المخيّم، وعلى رأس أولويات الخطّة السعي لتسليم كافة المطلوبين الخطرين للدولة اللبنانية. ومنذ الإثنين الماضي، انهمك ممثّلو الفصائل للوصول إلى صيغة للخطّة، وكان من المقرّر أن تجتمع اللجنة في مقرّ السفارة الفلسطينية أمس، لبحث الخطّة وتحويلها إلى مذكّرة، ثمّ عرضها على القيادة السياسية الفلسطينية، قبل أن يتمّ تقديمها إلى الجيش اللبناني. غير أن اللهيب الذي أحدثه حادث الاغتيال أول من أمس، فرض على اجتماع الخميس في السفارة الفلسطينية أن يكون لقاءً لتطويق الأزمة الحالية ووقف إطلاق النار، مؤجِّلاً بحث الخطّة الشاملة في انتظار أن تخفّ حدّة التوتّر.
ومع أن أكثر من طرف يضع الاغتيال بداية في إطار الانتقام قبل تطوّر ردود الفعل، لكنّه بالنسبة إلى أكثر من طرف، محلي ودولي، استكمالٌ للمشهد الذي ظهر مع «الاحتفالات» وإطلاق الرصاص والقذائف التي اجتاحت المخيّم، بُعيد اغتيال السفير الروسي في تركيا. ويقول مصدر دبلوماسي «شرقي» إن «الاحتفالات ولو كانت عشوائية، لكنها إشارة من الإشارات عن الرسائل المعاكسة التي يريد المحور الداعم للجماعات الإرهابية في سوريا والعراق توجيهها للمحور الذي يقاتل الجماعات التكفيرية، عن المدى الذي من الممكن أن تتطوّر عبره الأمور، في الرّد على التطوّرات السورية، لا سيّما بعد معركة حلب، باستخدام مخيّم عين الحلوة كصندوق بريد». ويربط المصدر بين أحداث عين الحلوة و«طفرة» العمليات الإرهابية التي توسّعت بعد معركة حلب، لتطال الأردن ومصر وأوروبا.
على المستوى الفلسطيني، لا يستبشر أكثر من طرف في الفصائل خيراً بما تحمله المرحلة المقبلة من ضغوط أكبر على المسألة الفلسطينية، في ظلّ التحوّل التدريجي في الخطاب الأميركي، الذي اعتمد في مرحلة باراك أوباما على سياسة رفض استكمال الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية، في العلن طبعاً، وبات الآن يجاهر بدعم الاستيطان مع الرئيس الجديد. ويمكن القول إن الطريق للوصول إلى أي تسوية فلسطينية ـــ إسرائيلية «مذلّة»، تمرّ بنزع آخر أوراق قوّة الفلسطينيين، لا سيّما ملفّات الشتات وحقّ العودة، التي كان تهجير الجماعات التكفيرية لمخيّم اليرموك جنوب دمشق أبرز فصولها، مع قلقٍ كبير من أن يكون عين الحلوة على الطريق نفسه.
حل من حلول؟ يقول مصدر بارز في الفصائل الفلسطينية: «نستغرب لماذا لم ينفجر المخيّم حتى الآن مع كل عوامل الضغط الموجودة»، ويضيف أن «العلاجات بتبويس اللحى لم تعد تجدي نفعاً؛ في كلّ مرة اجتماع ثمّ بيان ثمّ خطّة مؤجلّة، ثمّ دوامة دم من جديد». لكن هل يمكن إخراج المطلوبين من دون دم؟ يردّ المصدر: «عاجلاً أو آجلاً سيسقط الدم، لكن الكلفة هي التي ستتغيّر».
وبحسب المصدر، فإن انفجار مخيّم عين الحلوة يحقّق أكثر من هدف لإسرائيل وحلفائها: «الحرب في المخيّم لا تنحصر في المخيّم، لكنّها ستتوسّع إلى مدينة صيدا، وتثير فتنة سنيّة ــ شيعيّة، وتقطع أحد شرايين المقاومة اللبنانية إلى الجنوب. ثانياً الحرب تهجّر الفلسطينيين من المخيّم وتخلق مشكلة ديموغرافية لبنانية، في ظلّ الحديث اليوم عن قلق مسيحي، والأصوات التي تحرّض على الفلسطينيين والسوريين. وثالثاً تقضي على آخر معالم الشتات الفلسطيني، تمهيداً لما تطرحه إسرائيل من حلول لتصفية حقّ العودة، إمّا عبر تعويضات أو عبر ترحيل الفلسطينيين إلى أوروبا وكندا وأستراليا، وهو ما تعمل عليه أكثر من سفارة غربية». ويختم المصدر بالقول إنه «بدا لافتاً في الأيام الماضية الاهتمام الخليجي بأحداث المخيّم».