بالأحمر كفّنوه، بالأبيض والأسود ونجوم العراق، خرج ببذلته البيضاء من البيت الأبيض العتيق. يروي غسان كنفاني في قصة أم سعد كيف كانت تلك المرأة تصعد من قلب الأرض وتمشي بقامتها العالية كرمح يحمله قدر خفيّ، كما لو أنه علم تحمله زنود لا تُرى. هكذا شق عبد المجيد الرافعي طريقه في زواريب الرافعية صوب الجامع الكبير. تدخل بطلة رواية كنفاني «أم سعد» المخيم بعد هزيمته لتعطي أول من يصادفها «عِرقاً بدا يابساً» وتقول له إنها ستزرعه له عند باب بيته ليأكل عنباً بعد بضعة أعوام.


وها هو صوت الرافعي ينضم إلى صوت أم سعد بالقول إن العرق لا يحتاج إلى ماء، فهو يعتصر حبات التراب في أعماق الأرض ويشربها. الموكب أصغر بما لا يقاس من موكبي تشييع الرئيس رشيد كرامي ومؤسس حركة التوحيد الإسلامية الشيخ سعيد شعبان، لكنه موكب جميل. يمشي فتمشي معه المدينة. يلتفت فتلتفت. يلوّح بيده للنوافذ، فتبتسم النوافذ. الأدراج تعرفه وكل المآذن. يعرفه باعة الحساسين والأطفال الذين صاروا رجالاً والورد المكسور اليوم والبالة والفقر والتعب. يلوّح للدموع، للكوفيات، للأحلام، للعروبة، لفلسطين، للأرز المنثور من الشرفات، للدموع. يلوّح للأغاني ويسير. يقرع الطبل عالياً، تصرخ الجنازة: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. يبتسم هو في الصور قرب صور الرئيس العراقي السابق صدام حسين. يقف، يخرج ورقة من جيبه والقلم الأحمر لينظم بيتين ويمشي. تحمل طرابلس طرابلس وتمشي خلفه. هكذا خرجت المدينة تنتصر لجميلة بو حيرد يقول أهلها. هكذا خرجت تنتصر لعبد الناصر. وهكذا تغلب النعاس وتنتصر لعبد المجيد الرافعي. الطبيب الآدمي أبو الفقراء العروبي الوطني الذي لم يحد عن المبادئ. منتصب القامة يمشي، مبتسماً؛ كان رهانه في محله. الحب أقوى من المال، الوفاء متجذّر في الناس مهما ظن رجال الأعمال. لا يمكن طمس الذاكرة أو التلاعب فيها. الناس يعرفون الفرق بين الطبيب والتاجر. كانت كوفيات المخيمات ناقصة مع الأسف. ومع الأسف أيضاً اكتفى تجار المدينة بإصدار البيانات المزايدة من دون حشد أنصارهم، أما الوزير السابق أشرف ريفي، فيكرس يوماً بعد آخر أنه مدرسة في «التدفيش». فهو يدخل المسجد محاطاً بعشرين شخصاً يبدأون فور رؤيتهم الناس إثارة الجلبة ويبحثون عن الجموع لاقتحامها «مدفشين»، رغم انتفاء الحاجة إلى التدفيش. فلا الرئيس نجيب ميقاتي هنا ولا غيره. كل من تبقى من «صدّاميين» في لبنان وسوريا هنا، وكل العرفاتيين اللبنانيين. تسير الجنازة وتسير معها جدران المدينة. يقف الناس على جانبي الطريق مترحّمين. أحبّوه وأحبهم. وحين ابتدأ السياسيون يتساقطون من أعين الناس وتبدّل مفهوم الزعيم، بقي هو حيث كان دائماً. يحب الناس في نهاية الأمر السياسي النظيف. سياسي لا «يدفش» ولا يتبدل ولا يصدر البيانات ليقول إنه سيطعم الأيتام ولا يستثمر في الموت. جال عبد المجيد الرافعي في المدينة التجوال الأخير أمس، ودّعها بهدوئه المعتاد وودّعته. كان في هذه المدينة عروبيون. يمكن العِرق الذي تزرعه أم سعد أن ينمو ويطعم الناس عنباً، لكن يمكن أيضاً ألا يجد ماء ليشربه حين يعتصر حبات التراب في أعماق الأرض.