منذ نحو أسبوع، قرّر المجلس البلدي لمدينة بيروت وضع المنطقة المُمتدة من حدود بيروت الجنوبية، من السمرلاند وصولاً الى أوتيل "الموفمبيك"، تحت الدرس لمدة سنتين، وذلك سعياً الى وضع مُخطّط توجيهي شامل للمنطقة.


في المبدأ، يقول بعض المُطّلعين إن هذه الخطوة تُشكّل حماية لواجهة بيروت البحرية، كونها تهدف الى تجميد المنطقة (لمدة سنتين) وحمايتها من "هجمات" الاستثمار، إذ بات على كل طالب ترخيص جديد أن يحصل، إلزامياً، على موافقة من المجلس الأعلى للتنظيم المُدني، بدءاً من تاريخ وضع المنطقة تحت الدرس، على أن يبقى العمل بالتراخيص التي مُنحت قبل صدور هذا القرار سارياً.
بهذا المعنى، "يُعفى" مشروع "الإيدن باي ريزورت" القائم على شاطئ الرملة البيضا من هذا القرار، إذ مُنحت له التراخيص قبل صدور هذا القرار. يقول المدير التنفيذي لجمعية "نحن"، محمد أيوب، إنه عند بداية "تحرّك" أصحاب المشروع من أجل المُباشرة بالأعمال، وفي خضمّ معارضة الناشطين لإعطاء بلدية بيروت التراخيص اللازمة، كانت البلدية تتذرّع بأنها "لا تملك خياراً إلا بإعطاء التراخيص" (محافظ المدينة القاضي زياد شبيب منح الشركة الرخصة بحجة أن العقارات المزمع إنشاء المشروع عليها أملاك خاصة وطبيعتها صخرية). حينها، طالبت "نحن" البلدية بوضع الشاطئ والمنطقة قيد الدرس كخطوة تؤجل المباشرة بالمشروع وتحمي الشاطئ، "إلا أنه لم يكن هناك قرار بعرقلة المشروع وحماية الملك العام"، على حدّ تعبير أيوب.
تقول مصادر مُطّلعة إن البلدية تعزو سبب إقدامها على هذه الخطوة إلى أن أحد مالكي العقارات على الشاطئ يعتزم المباشرة بتنفيذ مشاريعه أسوة بأصحاب "الايدن باي"، وبالتالي تأتي هذه الخطوة "كمباردة لتجميد مباشرة أي مشروع في تلك المنطقة"، في حين هناك من يقول إن قرار وضع الشاطئ قيد الدرس هو مطلب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي أوعز باتخاذ الخطوة لوقف التعديات الحاصلة مؤخراً على الواجهة البحرية لمدينة بيروت.
الجدير ذكره أن القرار لم يشمل موقع دالية الروشة، الواجهة البحرية الأبرز للمدينة، والذي يُشكّل امتداداً طبيعياً لشاطئ الرملة البيضا. هذا الموقع مُهدّد بفعل مشاريع ضخمة من شأنها أن تقضي على خصائصه التراثية والأثرية والجيولوجية وتجعله حكراً على فئات دون أُخرى. عام 2015، كشفت "الحملة الأهلية للدفاع عن دالية الروشة" أن الشركات التي تملك العقارات الخاصة على الموقع تُخطط لإقامة منتجع سياحي ــ تجاري خاص يتخطّى عامل الاستثمار المُحدد للمنطقة، وأن المالكين يسعون الى رفع عامل الاستثمار الى 60% سطحياً، و100% كمعدل عام، من أجل إقامة مراكز تسوّق ومساكن خاصة فخمة وفنادق ومرسى يخوت ومواقف سيارات.


أحد مالكي العقارات في الرملة البيضا يعتزم المباشرة بتنفيذ مشاريع أسوة بأصحاب "الايدن باي"


هذا الواقع يطرح شكوكاً حول فعالية قرار المجلس البلدي في حماية الواجهة البحرية ومدى جديته في وقف التعديات عليه، ويجعل من القرار خطوة "استنسابية" تنطبق على مشاريع دون غيرها.
من هنا، وسعياً لتفعيل هذا القرار، وضعت "بيروت مدينتي" أربعة اقتراحات/مطالب لترافق تنفيذ هذا القرار البلدي. تتمثل هذه الاقتراحات في: 1ـ وجوب توسيع نطاق الدراسة الى المنطقة العاشرة من بيروت، بما فيها الدالية والمناطق الأخرى المشغولة من قبل الجيش اللبناني أو تلك التي تقام عليها مشاريع خاصة. 2ـ تطوير رؤية للواجهة البحرية تُعزّز الامتداد الطبيعي للساحل وتعتبره مساحة مُشتركة لجميع الفئات المُجتمعية وترفض جميع أشكال المُقايضات والتنازلات التي تُقام على حساب البيئة والإرث الثقافي. 3ـ رفض فكرة المُنتجعات الخاصة مقابل اعتماد مقاربة شاملة حيث يُعتبر الساحل بمثابة مقوّم حيوي تستخدمه المدينة لأغراض ترفيهية ويستفيد منه جميع أبناء العاصمة وسكانها وليس قلة من المستثمرين. أما المطلب الرابع والأخير، فهو يتمثّل في إزالة فورية للمشاريع المُخالفة للقانون في هذه المنطقة، بما فيها الـ"الايدن روك" والـ"غراند كافيه"، اللذان لا يلتزمان بالقوانين المُطبّقة حالياً، كما أظهرت الدراسة التي أعدّها وقدّمها مؤخراً نقيب المُهندسين جاد ثابت الى رئيس الجمهورية.
وفيما رأت "بيروت مدينتي" أن هذا القرار البلدي "يشكّل خطوة أولى نحو وضع خطة شاملة ورؤية متكاملة لشاطئ بيروت"، أشارت الى أن تطبيق القرار يتطلّب أيضاً قراراً من المجلس الأعلى للتنظيم المُدني، فضلاً عن مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء.
بدورها، رأت جمعية "نحن" أن الخطوة مهمة لكنها "تبقى ناقصة"، إذ اقتصرت على جزء من الشاطئ "من دون مُبرّر"، وبالتالي لم تشمل كامل الواجهة البحرية المُهدّدة، وأبرزها موقع دالية الروشة. وأضافت الجمعية في هذا الصدد: "الشاطئ وحدة لا تتجزّأ، وهو صلب هوية بيروت وجزء أساسي من أملاكها العامة، فكيف تحمي البلدية موقعاً دون سواه؟ وما الذي يُبرر استنسابية هذا القرار؟". وطالبت "نحن" البلدية بتخفيض معدّل الاستثمار الى واحد في المئة "على اعتباره التدبير الوحيد الذي يُمكن أن يحمي الشاطئ فعلياً". اللافت هو ما أثارته الجمعية من تخوّف مبطّن من أن يكون الهدف الحقيقي من هذه الخطوة هو "تكريس الاستثمارات المُقبلة" وليس حماية الشاطئ. لذلك، طالبت الجمعية بإشراك المنظمات المدنية في القرارات "لتكون النتيجة مُرضية للجميع".