منذ أن بدأ النزوح السوري إلى لبنان، مع بداية الحرب السورية، تأرجح الكلام عن ملف النازحين، فكان يفتح تارة تحت ضغط مؤيدي النزوح وتارة تحت ضغط المعارضين له. ومع الانقسام العمودي والأفقي في لبنان حول كافة المواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم تشذّ قضية النزوح مع تفاقم أعداد النازحين، عن أن تكون قضية موسمية تطرح عند كل انقسام أو مفترق سياسي ربطاً بتطورات الحرب السورية أو الخلافات اللبنانية.

اليوم لا يمكن التعامل مع هذه القضية مجدداً على أنها موسمية فقط من دون أي تبعات أو أي ارتباطات داخلية وإقليمية، لأنه فعلياً لم يحدث أي تطور دراماتيكي في ما يخص النازحين حصراً، كي تحدث هذه الفورة السياسية والإعلامية دفعة واحدة، سواء ممن يطالبون بعودة النازحين اليوم قبل الغد، أو الذين يدافعون عشوائياً عن هذا النزوح مهما كانت أضراره. فما الذي دفع إلى تحريك هذا الملف بهذه القوة؟

من بين القراءات المتعددة لما يحصل في الأيام الأخيرة، تتحدث قراءة سياسية عن منحىً يرتبط بالتطورات الحديثة في الجنوب السوري، مع وقف النار الذي اتفق عليه وأعاد رسم مشهدية سورية جديدة، عبر «تقاسم النفوذ» في مختلف مناطق سوريا بين مختلف الأطراف المتورطين في الحرب الدائرة فيها. وكان يمكن قبل المنحى الجديد الذي يفرض إيقاعاً مختلفاً في سوريا، ملاحظة أن المناطق السورية المحاذية للحدود اللبنانية بكاملها صارت تحت سيطرة النظام السوري ومعها إيران وحزب الله.


في ملف النازحين،
يجد حزب الله حليفاً قوياً له هو رئيس الجمهورية

لكن التطورات التي فرضت وقف النار في الجنوب، جعلت حزب الله مرتاحاً أكثر، في الداخل السوري. وإذا كان انتشاره لبنانياً في المناطق الحدودية مع سوريا من الجنوب في اتجاه الحدود الشمالية الشرقية، يمكن فهم معنى وجود ثغرة أمنية اسمها النازحون السوريون، يمكن أن تشكل في أي وقت خاصرة رخوة للحزب المتمدد على بقعة جغرافية واسعة.
لا يمكن تبعاً لذلك عزل ملف النازحين ومعه الكلام عن تحرير جرود عرسال عن هذا الواقع. لأنه خلافاً للصورة القائمة، فإن هذا الملف لم يفتح فقط بعد العملية التي قام بها الجيش اللبناني في مخيمات عرسال، وما نتج منها من ردود فعل أعقبت وفاة أربعة نازحين سوريين موقوفين لدى الجيش اللبناني. فالدخول بقوة في هذا الملف، والسجال السياسي حوله، دلّا بوضوح على أن وضع الملف على سكة البحث العملي، يهدف إلى طرح هذا الملف بجدية، لأسباب تتعلق بالوقائع السياسية والأمنية والعسكرية على السواء، التي تجعل الحزب يخشى من واقع النزوح وانفلاشه وإمكان استخدامه داخلياً حين تدعو الحاجة، خارج أي سياق عمل عسكري كمعركة الجرود، أو في موازاتها. والتعامل بجدية لأول مرة منذ سنوات مع قضية النزوح والضغط اليومي الناتج منه، أسهم أيضاً في تسويق فكرة الحوار والتنسيق مع النظام السوري من أجل بحث عملاني وجدي لتأمين عودة النازحين إلى سوريا، ووضع هذا الملف بجدية أمام المجتمع الدولي.
ورغم أن الحزب يدرك أن تمرير فكرة الحوار مع سوريا لن يكون سهلاً في ظل المواقف السياسية المعارضة، إلا أنه لا يمكن صرف النظر عن أن الفكرة في حدّ ذاتها باتت اليوم متداولة في نطاق واسع، معززة بطرح أفكار جانبية تبرر هذا الحوار، أو تفتح النقاش على الأقل حول وجود مؤسسات وشخصيات رسمية لا تزال على علاقة وتنسيق مع النظام السوري. ولا يمكن تبعاً لذلك التخفيف من وقع دخول القوى السياسية لأول مرة بوضوح على خط اقتراح تصورات شاملة ومفصلة حول عودة النازحين، حتى من جانب الذين كانوا مع فتح الأبواب لاستقبالهم من دون أي عوائق كالقوات اللبنانية. ولم يعد الكلام عن هذه العودة أمراً محرماً، لا بل إن الانتقادات بدأت تطاول المجتمع الدولي ومؤسساته لتقاعسه عن المساهمة في تأمين هذه العودة إلى المناطق الآمنة في سوريا. وهذا الأمر يخفف الوطأة على الحزب حتى في الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى السياسية التي لا تزال معترضة على التواصل مع دمشق، كالمستقبل مثلاً، حتى لا يتحول الكباش السياسي خلافاً سنياً شيعياً، يريد الطرفان القفز فوقه. علماً أن السجال الأخير حول عملية الجيش في عرسال، وإن كانت في باطنها تحمل إشارات حول حزب الله، إلا أنها ظلت موجهة نحو الجيش ليصبح الكلام موجهاً ضده لأول مرة منذ عمليتي عبرا وعرسال، وليس إلى الحزب، بعد «فترة سماح» انكفأت فيها حملات استهدافه.
ولا يمكن أيضاً التغاضي عن واقع أن مقاربة ملف النازحين الذي تفاقمت أعدادهم في لبنان، تختلف حالياً عن المقاربات السابقة، ولا سيما أن الحزب يجد حليفاً قوياً له، هو العهد الذي كان رئيسه العماد ميشال عون حين كان رئيس تكتل التغيير والإصلاح أول من طالب بوضع ضوابط لهذا النزوح. وهذا في ذاته ورقة قوية في يد العهد الذي وإن كان لا يريد افتعال مشكلة مع رئيس الحكومة سعد الحريري، إلا أنه أيضاً لا يمكن أن يتراجع عن موقفه المؤيد لهذه الضوابط ولعودة النازحين إلى بلادهم. وهذا عامل ضاغط في حد ذاته، لا سيما في مقاربة لبنان رسمياً للملف أمام الدول الغربية المعنية والأمم المتحدة.
يقول أحد القواتيين إن القوات اللبنانية وحلفاءها حاربوا عشرين عاماً لإخراج ثلاثين ألف جندي سوري من لبنان، فهل يمكن اليوم أن ينجح لبنان في إخراج مليون ونصف مليون نازح سوري في أشهر؟ الجواب قد لا يكون فقط في تصور وزير الخارجية جبران باسيل أو القوات اللبنانية، أو حتى في ما يمكن أن تضعه الحكومة من إطار للحل، لأن المشكلة باتت أعمق من مشاورات دولية تراوح مكانها، بعدما بدأ تشبيه مخيمات النزوح السوري بالمخيمات الفلسطينية، ولأن الانقسام عاد مجدداً على خلفيات طائفية ومذهبية تعيد فتح ملفات التوتر النائمة تحت ستار التهدئة. لكن من الواضح أن هذا الملف وتطورات جرود عرسال والتداعيات المحتملة في مخيمات النزوح والمدافعين عنها، وفي ردود الفعل السياسية الداخلية، لن يبقي الوضع الداخلي طويلاً في منأى عن الخطر.