فور إعلان رئيس مجلس النواب رفع جلسة مجلس النواب، ظهر أول من أمس، وَفَدَ عدد من المصرفيين إلى ساحة النجمة للقاء بعض النواب والتدقيق في إقرار مجلس النواب للمادة الـ19، التي زادت ضريبة الفوائد من 5% إلى 7% وألغت حسم قيمة هذه الضريبة من ضريبة الأرباح التي تسددها المصارف.


مشهد يختصر جانباً من معركة سلسلة الرتب والرواتب التي كانت، بحسب ما يقول وزير العمل السابق، الأمين العام لحركة «مواطنون ومواطنات في دولة» شربل نحاس، «جزءاً من خطّة وضعناها أيام تولي وزارة العمل بالتعاون مع الرئيس ميشال عون»، بدأت شرارتها بتصحيح الأجور في القطاع الخاص لكي يلحقها القطاع العام تلقائياً، ما يضع ضغطاً على النظام الضريبي، وصولاً إلى كسر الجدار الذي وضعته قوى السلطة لمنع «الأجر الاجتماعي» وشموله التغطية الصحيّة الشاملة المموّلة من الضريبة والتعليم الأساسي المجاني.

تحالف حلقة المال مع الزبائنية

يضع نحاس مسألة سلسلة الرتب والرواتب في سياق محدّد منذ مطلع التسعينيات حتى بداية المعركة في 2011. النمط الذي اتبع كان واضحاً ويعتمد بصورة أساسية على إضعاف منهجي للإدارة العامة من خلال إفراغها من الكوادر الكفوءة، وصولاً إلى حشوها بالأزلام والمحاسيب. ومن جهة ثانية، كان هناك عمل دؤوب لتثبيت هيمنة محكمة بين تحالف حلقة المال مع الزبائنية السياسية. الحلقة المالية لها ممثلون واضحون ومعروفون ولا يخفون أنفسهم، سواء كانوا سياسيين أو رجال أعمال أو سواهم، ممن استفادوا من «تقديس» الريع في لبنان والأرباح السهلة التي يوفّرها هذا الريع من العقارات والمصارف... أما الزبائنية السياسية، فهي أكثر وضوحاً، وتمثّلها قلة من الزعماء السياسيين، اعتادت أن تسخّر النظام لخدمة شركائها في الحلقة المالية وتقاسم المغانم والمنتفعات معهم، وصيانة الآلية التي تتيح زيادة أرباح الحلقة المالية بمصادر شرعية وغير شرعية. آلية عمل هذا التحالف كانت تقوم على الإمساك المحكم بمزاريب التوظيف في الإدارات العامة والهدر في المشاريع التي تنفذها، إلا أنه كان هناك عنصر أساسي يقوم على الإمساك بالاتحاد العمالي العام من أجل إخضاع أي حركة مطلبية عمالية لسقف هذا التحالف ولتسويق التسويات التي يتفق عليها.

خطة 2011

يشير نحاس إلى أن هذا النمط استمر لأكثر من 20 سنة، وقد «ابتكرنا خطّة لضربه تقوم على أن تعيد وزارة العمل إحياء آلية كانت معطلة تتمثل بلجنة المؤشّر، التي يتمثّل فيها كل أركان هذا النمط من أصحاب عمل واتحاد عمالي».


إيرادات الدولة تضاعفت 3 مرات خلال السنوات الـ16

ودُعي «رئيس هيئة التنسيق النقابية آنذاك حنا غريب، ورئيس رابطة موظفي القطاع العام آنذاك محمود حيدر. وأطلقنا معركة كسر النمط التي وقف أركان النمط ضدّها بشراسة». كان الاتفاق على أن «نفرض تصحيح الأجور والالتفاف على أركان النمط من خلال الحلقات المربوط بعضها ببعض. تصحيح الأجور في القطاع الخاص سيولّد مباشرة مطالبة من القطاع العام بتصحيح مماثل. الهوّة بين مكتسبات عمال وموظفي القطاعين العام والخاص، لجهة التقاعد والتغطية الصحية، ستخلق من تصحيح الأجور فرصة للمطالبة بحدّ أدنى. موظفو القطاع العام لديهم تقاعد ولديهم تغطية صحية بعد التقاعد، فيما موظفو القطاع الخاص لديهم التعويض التقاعدي والتغطية أثناء العمل فقط إذا صرّح عنهم رب العمل، أما الفئات التي ما بين عمال القطاع العام وعمال القطاع الخاص، أي العمالة غير المصرّح عنها والعاطلون من العمل والفقراء والمعوزون وكل هذه الطبقة ليس لديهم أي تغطية صحية، وليس لديهم حقوق مكتسبة، لا أثناء العمل ولا بعده».
بهذه الخلفية اندلعت معركة تصحيح الأجور في القطاع الخاص. كلّفت هذه المعركة الكثير من الخسائر، ولم تنتج تصحيحاً شاملاً للأجر، بل كان مشوّهاً ومنقوصاً ولا يساوي تراكم معدلات التضخم في الأسعار على مرّ السنوات، وقد استعمل أركان النمط أدواتهم فيها، مثل الاتحاد العمالي العام، بالإضافة إلى المواقف المسبقة والمعروفة والمتوقعة منهم. رغم ذلك، «حقّقت هذه المعركة، انتصاراً جزئياً للخطّة الأساسية، إذ تمكنّ أركان التحالف من تعطيل التغطية الصحية الشاملة والتعليم الأساسي المجاني المشمولين بما يعرف بالأجر الاجتماعي». وبالتالي انحصر الأمر بإطلاق المرحلة التالية، أي تصحيح الأجور في القطاع العام الذي سيولّد مباشرة ضغطاً على النظام الضريبي، لأن موظفي القطاع العام يتقاضون أجورهم من الدولة.

تعديل النظام الضريبي

استعمل التحالف موضوع «تمويل السلسلة» لترويج أنّ أجور القطاع العام بشوائبه ستموّل من جيوب الناس، لا بل طُوِّق كل هذا الأمر من خلال ابتداع كذبة تمويل السلسلة. اختراع هذه الكلمة هو عمل سياسي شديد الذكاء لتطويق المطلب. السلسلة ليست سوى غلاء معيشة، وعندما يحصل ينتج الآتي: مطالبة بالتعويض، زيادة إيرادات الدولة. نعم، غلاء المعيشة (تضخّم الأسعار) يولّد زيادة الإيرادات. وإيرادات الدولة تضاعفت 3 مرات خلال السنوات الـ16 التي تشكّل الفترة التي يطبق عليها تصحيح الأجور، ونصف هذه الزيادة مصدرها غلاء المعيشة، أما هذه الزيادات فقد استخدمت لغايات متعدّدة، سواء حشو الموظفين غير الكفوئين أو الهدر والفساد أو زيادة الدين العام».
يضيف نحاس: «بعد ذلك، اتفقنا مع أصحاب المطلب على أن يحصروا مطلبهم بتصحيح الأجور بعيداً عن التفاصيل والمناكفات بين الفئات المختلفة، وذلك في مقابل تقديم تنازل مشروط بالآتي: إقرار الضرائب على أرباح تجارة الأراضي بمعدل 25%، وزيادة الضريبة على الفوائد المصرفية إلى 25% على أن يترك لكل مواطن حق رفع السرية المصرفية عن حساباته فتعفى من الضريبة ضمن سقف معين... هذان الموردان ينتجان أموالاً تفوق كلفة السلسلة بثلاث مرات. وتضمن الاقتراح أيضاً أن يتنازل أصحاب الحقوق من المطالبين بالسلسلة عن جزء من تصحيح أجورهم مقابل تنازل مماثل بالقيمة لكل من أصحاب المصارف وتجار الأراضي وأصحاب الودائع الكبيرة، ما يؤمن تمويل التغطية الصحية الشاملة والتعليم الأساسي المجاني».

انتصار جزئي

المعركة مع اللوبي أو التحالف المالي ــ الزبائني لم تكن سهلة. سيطرته على الاتحاد العمالي العام لم تكن تعني سيطرته على الشارع كلّه، فيما البروباغندا والتهويل من السلسلة لم يُجدِ كثيراً، فسلك طريقاً آخر. قرّر التحالف أن يضرب هيئة التنسيق النقابية، وقضى على رموز هذه الحركة، رغم أنه حافظ على هيكلها وحوّلها إلى نسخة مشابهة للاتحاد العمالي العام.
رغم ذلك، لم تكن لدى التحالف القدرة على إلغاء مفاعيل تصحيح الأجور، ما اضطره إلى المماطلة والمساومة بين التخلّي عن جزء من امتيازاته لاستيعاب هذه المفاعيل واحتلال مشهد البطولة في ظل غياب رموز هيئة التنسيق النقابية وفراغ المشهد من أي بطل. هكذا بقيت الضرائب على المصارف وعلى تجار العقارات، وجرى تخفيفها إلى الحدّ الذي يعتقد أركان التحالف أنه ملائم لنهجه السياسي ومعركته الانتخابية، لكن العودة إلى أصل هذه المعركة يوضح كيف حُشر هذا التحالف لتقديم التنازلات. «اليوم نعيش انتصاراً جزئياً، رغم أننا لم نتمكن من كسر النمط، بل أحدثنا خدشاً كبيراً في هذا النمط».
يترك هذا السياق فراغاً كبيراً في معرفة المفاعيل الناتجة من التعديلات الضريبية؛ «السؤال المطروح اليوم: هل هناك قيادة قادرة على الإمساك بمفاصل المعركة المقبلة للانتصار والفوز بالأجر الاجتماعي بما يشمله من تغطية صحية شاملة وتعليم مجاني أساسي للجميع؟ الفرصة متاحة ويجب استغلالها».




كي لا يكون دولة بين الأغنياء

اختصر رئيس مجلس النواب، نبيه بري، المشهد بعد تمرير قانوني سلسلة الرتب والرواتب والتعديلات الضريبية، فاكتفى صباح أمس بتوزيع تصريح مقتضب جاء فيه: «حيتان المال تتحرك في بحر لبنان الهادئ. فتش عن الذين يريدون الغنم ولا يقبلون حتى بالمساهمة في الغرم. كي لا يكون دولة بين الأغنياء، السلسلة ربح ليس فقط للناس بل لخزينة الدولة».
تقول مصادر نيابية إن تصريح بري جاء للتحذير من حركة اتصالات جارية لإقناع 10 نواب بتقديم مراجعة طعن بقانون التعديلات الضريبية، انطلاقاً من حجج بعض المصرفيين الذين رأوا في البند «ثانياً» من المادة 19 الذي قضى باعتبار ضريبة الفوائد (7%) التي تسددها المصارف عبئاً عادياً ينزل من الأرباح، بدلاً من احتسابها سلفة على حساب ضريبة الأرباح كما هو معمول به في القانون قبل تعديله.
بحسب جمعية المصارف، تؤدي هذه الطريقة الجديدة في الاحتساب إلى ازدواج ضريبي، وتزعم أنها سترفع معدل الضريبة الفعلية على أرباح المصارف إلى معدلات ضريبية تراوح بين 17% و76% (تبعاً لنسبة توظيفات كل مصرف في سندات الخزينة اللبنانية)، بالمقارنة مع ضريبة بنسبة 17% من أرباح الشركات الأخرى. انطلاقاً من هذه المزاعم، وضعت جمعية المصارف مطالعة ترى أن هذه الطريقة في الاحتساب لضريبة الفوائد تنطوي على تمييز بين فئات المكلفين وخرق لمبدأ دستوري.
طبعاً، لا يتفق جميع القانونيين مع هذه المطالعة، إلا أن هناك حركة ملحوظة يقوم بها بعض المصرفيين لتسويق فكرة الطعن بدستورية القانون الصادر عن مجلس النواب، وهناك خشية من أن ينجحوا.