تكفي العودة سنوات قليلة الى الوراء، واستعادة أدبيات التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والعبارات التي استخدمها قادة الحزبين ونوابهما ووزراؤهما، عن «فساد نظام المحاصصة» وانتفاضة الحرية عليه (التيار)، و«لن نسمح عندما نصبح في السلطة بمنطق المحاصصة» (القوات)، كي تلقى الشكوك على المسار الاداري والسياسي الذي تعيشه البلاد منذ أشهر.


لأن هذه الثنائية، ولا سيما التيار الوطني الذي أوصل زعيمه الى رئاسة الجمهورية، لم تعد منفصلة عن الحكم ككل، والذي بات تحت المعاينة الدقيقة في مراقبة أدائه وأداء الحكومة في تطبيق آليات عمل واستنهاض للدولة بعد ترهّل سنوات. من هنا يطرح السؤال: هل ما يحصل منذ أشهر ينبئ بالعافية من خلال التعيينات والتشكيلات التي حصلت حتى الآن؟
بعيداً عن الخطاب العام والشعارات السياسية، يكمن الجواب في مستويين: في ما تحققه هذه الثنائية وفي ما ينجزه العهد والحكومة معاً.
على مستوى الثنائية، فإن أداءها، بعد المصالحة التي أراحت الشارع المسيحي، ظل ملتبساً ومتأرجحاً بين محاولات تثبيت فكرة الدولة واحتكار السلطة، مع ترجيح كفة الثانية. وإذا كانت التشكيلات الديبلوماسية شكلت مثالاً فاقعاً أكثر ممّا شكّلته التعيينات الامنية والقضائية ــ المحاصصة التي تمت في آذار الفائت وتعيينات الكازينو، فإن المشكلة أن المحاصصة التي رفعت الثنائية المسيحية، قبل وصولها الى الحكم، شعار محاربتها باتت أمراً واقعاً في مسار الطرفين، إذ وجد التيار الوطني الحر في درجة أولى، والقوات اللبنانية بدرجة ثانية، في العهد الراهن فرصة استثنائية محقة في التعويض عن الغبن الذي لحق بهما كتيارين مسيحيين عانيا ــــ طوال عهد الوصاية السورية وما بعدها ــــ من استبعادهما من الوزارات والمجلس النيابي والادارة اللبنانية والمراكز الحساسة، سياسياً وإدارياً.


يرتكب التيار والقوات أخطاءً ارتكبتها
قوى مسيحية أخرى كانت في السلطة

وأمكن للطرفين اللذين باشرا استعادة حصصهما بدرجة ثابتة أكثر مع انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، أن يطرحا أمام جمهوريهما أنهما قادران على إيصال المؤيدين لهما الى المراكز التي يريدونها بعد حرمان طويل. لكنهما على طريق استعادة نفوذهما ارتكبا أخطاءً سبق أن ارتكبتها قوى مسيحية أخرى كانت أيضاً في السلطة. وإذا كانت تلك الشخصيات اتهمت في حينه بأنها راعت المحسوبيات وجاءت الى السلطة، نيابة وبلديات وإدارة، بأزلامها في الزمن السوري، فإنه لا شيء يبرر للثنائية القيام بالامر نفسه، من دون تحديد معايير واضحة لاختياراتها، إلا بتكرار النموذج الذي بدأ مع السلطان سليم في عهد بشارة الخوري ولم ينته، لا مع المكتب الثاني ولا مع العهود اللاحقة. وفي حين يبرر الطرفان هذه النزعة بتعويم مناصريهما والانتقال من الحرمان الاداري والوظيفي الى «الجنة الوظيفية»، فإن المشكلة تكمن في أن بعض الشخصيات التي قدمتها هذه الثنائية وطرحتها وزكّتها حتى الآن، ولا سيما التيار الوطني، لم تكن على قدر التوقعات، لا بل على العكس، فقد ينتظر أن يقدم التيار بحلته الجديدة نموذجاً في اختيار أسماء مشهود لها، بدل الذهاب الى خيارات ليست على المستوى المطلوب. وفي حين تقبض قيادة القوات على القرار الحزبي باختيار الشخصيات المطروحة للتوظيف، ولاحقاً للنيابة، بكل أشكاله، فإن معضلة التيار أوسع، لأن الاختيار بات موزعاً بين قيادة التيار ومستشاري رئيس الجمهورية كعائلة ومقربين منه على السواء، الأمر الذي يجعل أي توظيف أو نيابة أو وزارة يمر حكماً عبر هذه القنوات. وبالتالي، فإن الكلام الذي تتغنى به أوساط الطرفين عن الكفاءة وعن الجدارة قد يكون معرضاً للسقوط أمام قرار اختيار المحسوبين على قيادة القوات والتيار وحلقة المستشارين الرئاسية. وفي هذا المنحى تكمن محاولة الطرفين استقطاب الشارع المسيحي وتأطيره ضمن فريقي السلطة، من أجل التحكم في طرق إيصال من يريدون الى المنصب الذي يريدون. وتبدو أمام هذه الثنائية اليوم فرصة التمثل بالثنائية الشيعية، أو بالأحرى بممارسة الرئيس نبيه بري للحكم خلال سنوات، كما الرئيس الراحل رفيق الحريري وخليفته الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل، وقبلهما الرئيس فؤاد السنيورة، في التحكم في مفاصل أساسية في الدولة من خلال توظيف وتعيين المقرّبين منهما للقبض على كل الحلقات التي يجب الإمساك بها. ولعل هنا مكمن خلاف التيار مع القوى السياسية الأخرى في محاولته تكرار تجربة من سبقوه للاستئثار بالحصص «المسيحية»، وهو الامر الذي يأخذه عليه الحلفاء قبل القوى السياسية الأخرى.
أما المستوى الثاني فيتمثل في النظرة العامة الى العهد والحكومة، خصوصاً في أن المحاصصة تتكرس في شكل عام عبر تقاسم النفوذ بين القوى السياسية الرئيسية. والطريقة التي اعتمدت في اختيار تيار المستقبل للديبلوماسيين، تدل على أن لا شيء تبدّل في أداء هذا التيار وطريقة تعامله مع الإدارة كحق مكتسب، منذ التسعينيات وقبل أن يصبح تياراً بالمعنى الذي تكرس بعد عام 2005، تماماً كما الثنائية الشيعية، وهو الأمر الذي كان ينتقده التيار والقوات معاً قبل دخولهما الحكم، إذ لا يمكن أن يصل أيّ من الموظفين والاداريين والسفراء إلا عن طريق هذه الأقنية السنّية والشيعية والدرزية التي باتت معتمدة كمعبر الى الدولة. والنسبية التي طالب بها حزب الله وأمل، وتبنّاها العهد والحريري في الانتخابات النيابية، على قاعدة «ديموقراطية» كونها ستوصل من هم خارج الاصطفاف الحالي، مرفوضة أن تطبق في التعيينات بكل أشكالها. وسيكون أمام المعارضين أو المستقلين، الى أي فئة أو طائفة انتموا، أن ينتظروا ست سنوات جديدة ليكون لهم الحظ في الوصول الى مناصب عسكرية وإدارية وديبلوماسية. لذا يمكن التوقف مطولاً عند الانتخابات النيابية المقبلة، لأنها يمكن أن تشكل تحدياً أمام المعارضين في كسر هذا الاحتكار القائم بين الذين قبضوا على السلطة ولن يتنازلوا عنها، على الاقل كي يكون في المجلس النيابي معارضة وموالاة، تماماً كما في أيام الوجود السوري.