صيدا – الأخبار

محمد السعودي محبَط. يُلمس ذلك تراجعاً واضحاً في أداء البلدية على مختلف الصعد خلال الأشهر الأخيرة. من جبل النفايات المستجد وبحيرة قاذوراته التي تلوث الشاطئ والبحر حتى قبرص، وصولاً إلى عربات الباعة العشوائية التي تجتاح شوارع المدينة لتخنقها بشكل إضافي، إلى روائح النفايات الكريهة التي ألهبها حرّ الصيف هذه الأيام.

فجأةً وجد السعودي نفسه يصطدم بجدار الحقيقة. حقيقة أنه لم ينجح كما كان يأمل بحل أزمة النفايات في صيدا. فالكلام الكثير الذي قيل في هذا الأمر تبين أنه مجرد كلام، وحقيقة أن «الحلم بات حقيقة والجبل أصبح حديقة» بدا، بسرعة، أشبه بشعار سخيف لحملة انتخابية فاشلة، ولا سيما أن رواد هذه الحديقة (التي تحمل اسمه) لا يستطيعون البقاء فيها أكثر من خمس دقائق بسبب الروائح المنبعثة من معالجة النفايات في معمل نبيل زنتوت المجاور (الذي لا يعرف أحد مالكيه الأصليين، والذي يملك 87% من أسهمه أشخاص سعوديون بخلاف نظامه الأساسي الذي يسمح بـ75% فقط من ملكية الأجانب).
يقول مطلعون إن رئيس بلدية صيدا يشعر بأنه قد خُدع من قبل أكثر المعنيين بملف معالجة مشكلة النفايات في المدينة. «قيل» له إن نسبة العوادم ستكون 15% من مجمل كميات النفايات المجمعة إلى المعمل الجديد مع حلول عام 2015، وهو ما لم يحصل. فكانت الكارثة. «أخبر» أن معمل صيدا هو من أحدث المعامل العالمية، وتبين أنه يعمل بمواصفات تناسب طبيعة الجمع والفرز في ألمانيا لا في لبنان.


المدينة تدفع اليوم
فاتورة الانتخابات النيابية
ولا حل لأزمة النفايات في
الأربعة أشهر المقبلة

ولأن «الطيبة» لا تشفع في تبرير كمية الأخطاء المتراكمة منذ فترة في أداء «مسؤول» بمنصب رئيس بلدية، يتداعى عدد من الشخصيات الصيداوية الفاعلة منذ مدة للاجتماع بالسعودي وحثّه على استدراك الأخطاء وإيجاد الحلول المناسبة بأقل الخسائر الممكنة. الخطير في الأمر أن متابعين ينقلون أن السعودي يظهر اليوم بمظهر العاجز عن إيجاد أي حل، وأنه يتصرف بمنطق المغلوب على أمره من قبل السياسيين، وأنه ينتهج مبدأ تمرير الوقت لما بقي له من ولايته، ويلوّح بورقة الاستقالة كلما وقع الضغط عليه.
لا حل لأزمة النفايات في صيدا حتى خلال فترة الأربعة أشهر المقبلة، كما يخبر السعودي منتقديه. المدينة تدفع اليوم فاتورة الانتخابات النيابية المقبلة. لم يعد سراً أن معظم القوى السياسية الفاعلة في المدينة ليست بوارد الدخول في مشاكل مع «المحيط» لحسابات انتخابية في هذا التوقيت بالذات. من سيجرؤ على سؤال سعد الحريري لماذا يُرسَل أكثر من 250 طناً من نفايات بيروت إلى معمل صيدا؟ لا أحد. لرئيس الحكومة حساباته الانتخابية في العاصمة، حتى ولو كانت على حساب مسقط رأسه. من سيفتح «مشكلاً» مع قرى شرق صيدا وجزين والزهراني في وقت تصاغ فيه التحالفات واللوائح الانتخابية؟ بهية الحريري أم أسامة سعد؟
في صيدا مجزرة بيئية تحصل يومياً ولا يدفع ثمنها إلا سكان المدينة. معمل مجهز لمعالجة 300 طن يومياً من النفايات العضوية فقط، يعالج أكثر من 550 طناً من النفايات المكدسة والصلبة مع عوادمها. كيف ذلك، لا سحر في الموضوع، البحر لا يقول «لا» لكل ما يُلقى فيه، ويمكنكم سؤال الصيادين عن الغرائب التي تعلق بشباكهم يومياً.

ماذا يجري اليوم؟

يحاول رئيس البلدية إقناع نفسه بأن الروائح الكريهة التي انتشرت في صيدا في الأشهر الماضية بدأت بالانحسار. لكن الحال ليس هكذا بحسب حياة الناس في المدينة، إلا إذا صارت حاسة الشمّ مرتبطة بالهوى السياسي للمقيم هناك. علماً بأن الضغط على الشركة المشغّلة لمعمل النفايات، أنتج حلولاً جزئية، ولا سيما أنه منذ مطلع الشهر الجاري، بدأت مهلة الأشهر الأربعة التي منحها السعودي لإدارة معمل معالجة النفايات في صيدا، للتخلص من جبل العوادم الذي ارتفع في باحته الخلفية بعد تراكمها لأشهر عدة (مقدرة بنحو 16 ألف طن). ومنذ أيام، بدأ عمل الكسارة الضخمة التي استقدمتها الشركة المشغلة (IBC) لفرم العوادم بعد خلطها بالردميات.
السعودي تفقد قبل أيام معمل النفايات، ليعلن لاحقاً أن تراكم العوادم المختلطة بالنفايات العضوية التي سبّبت انبعاث الروائح الكريهة في الآونة الأخيرة «ستُزال في غضون أربعة أشهر، على أن يتوقف أي تراكم جديد للعوادم نهاية العام الجاري».
وقال السعودي لـ«الأخبار» إن الكسارة الضخمة، إضافة إلى الكسارة التي كانت متوافرة، تقوم بفرم العوادم الناتجة من فرز النفايات اليومية، إضافة إلى أجزاء من الجبل على نحو تدريجي. ويتوقع أن تتسارع خطوات الفرم لتستطيع الكسارتان استيعاب فرم العوادم القديمة والحديثة. ولتخفيف الضغط عن المعمل، في ظل عدم وجود مطمر صحي لطمرها وتوقف معمل «سوكومو» لصناعة الكرتون في قب الياس عن استقبالها، اتخذ الاتحاد خطوات عدة. منها الطلب من بلدية بيروت التي ترسل يومياً نحو 250 طناً إلى المعمل، إرسال النفايات العضوية من دون العوادم، والطلب من اتحاد بلديات جزين بالتصرف بالعوادم التي تنتج من معالجة نفاياتها. بحسب السعودي، إن الهمّ الأساسي ليس فقط التخلص من جبل العوادم المتراكمة، بل منع تكرار الأزمة من خلال تنظيم عمل الكسارتين والبحث عن طرق بديلة للتخلص من العوادم.
لكن السعودي لا يتصرف من دون الضغط المباشر عليه من قبل فعاليات في المدينة، وهو التقى وفد «الفعاليات والهيئات الصيداوية» الذي ضم كلاً من رجل الأعمال محمد زيدان، والمحامي عبد الحليم الزين، والمحامي خالد لطفي، حيث كُرِّرَت الملاحظات أمام رئيس البلدية، ولا سيما أن زيدان حذّر السعودي من الرهان كثيراً على الشركة المشغلة للمعمل «لأننا في المدينة، كمواطنين وكفعاليات، فقدنا الثقة بالتزام المشرفين على هذه الشركة، ونأمل ألّا تظل مراهناً على وعودهم».
وذكّر زيدان السعودي بمصير الوعد الذي أعلنه سابقاً، بأن نفايات جزين «ستقف خلال عشرة أيام، بينما لم يحصل شيء بعد مرور ثلاثة أسابيع. وها هي نفايات جزين لم تتوقف، ويبدو أن هناك ضغوطاً سياسية على البلدية للاستمرار في استقبال تلك النفايات تحت حجة أن صيداويين يقيمون في تلك المناطق المحسوبة على قضاء جزين وعلينا استقبال نفاياتهم». وتابع زيدان كلامه للسعودي، مشيراً إلى أن بمقدور اتحاد بلديات جزين نقل العوادم التي تخرج عن نفاياتهم وإلقاؤها في مقالع مهجورة بين عين مجدلين وإقليم الريحان في منطقة جزين.
إلا أن وفد الهيئات بحث مع السعودي مسألة النفايات الآتية من بيروت. وعُلم أن اللجنة أبلغت رئيس البلدية بأنه لا بد من إيجاد آلية لمراقبة آلية نقل النفايات ومدى التزام بلدية بيروت للمواصفات والإجراءات، بالإضافة إلى مناقشة بند يتعلق بالبدلات الناجمة عن عمليات النقل، وما إذا كانت تجري بناءً على تفاهمات سياسية. وطالب الوفد البلدية بالتعاون مع شركة «فيريتاس» التي تتولى مراقبة جزء من أعمال معمل النفايات، وبتكليفها التدقيق في النفايات القادمة من بيروت، والتثبت من خلوها من العوادم، على أن يكون ذلك بالتنسيق مع وفد «الفعاليات والهيئات الاقتصادية والإنمائية والاجتماعية».
وكانت لجنة الفعاليات الإنمائية قد عقدت اجتماعاً في مقر «جمعية محمد زيدان للإنماء» شارك فيه مهندسون وفعاليات اقتصادية وطبية واجتماعية وحقوقية، واستُعرضَت نتائج الاجتماعات مع السعودي، ودُقِّق في رواية عن عرائض وقّعها مواطنون من صيدا، لكنهم يقيمون في قرى من قضاء جزين تطالب البلدية بالاستمرار في استقبال نفاياتهم، ولا سيما أن معارضي البلدية يتهمون محسوبين على النائبة الحريري بالوقوف خلف هذه العرائض. وجرى التداول في الخيارات الممكنة إن لم يُلتزَم بالوعود من قبل البلدية. واتفق على منح السعودي مهلة زمنية غير مفتوحة، على أن يصار إلى تحضير حملة إعلانية وشعبية تشمل اعتصامات في المدينة. وتقرر أيضاً تشكيل لجنة مصغرة لإطلاع شركة «فيريتاس» على الهواجس المتعلقة بعمل معمل الفرز والمعالجة برمته ومراقبة شاحنات النفايات القادمة من بيروت ومن جزين، إضافة إلى موضوع العوادم والروائح الكريهة.