يستمر القُضاة العدليون في اعتكافهم عن عملهم القضائي، باستثناء النظر في قضايا الموقوفين، احتجاجاً على البنود المتعلّقة بالقضاء الواردة في مشروع سلسلة الرتب والرواتب. وبحسب مجلس القضاء الأعلى، إن الاعتكاف سيستمر «إلى حين إجراء المعالجة التشريعية» التي تأخذ بالاعتبار الاقتراحات التي سبق للمجلس أن قدّمها من أجل الحفاظ على ما سمّاه «المقوّمات اللازمة لنهوض السلطة القضائية»، كصندوق تعاضد القُضاة والعطلة القضائية.


وكان مشروع السلسلة قد تضمّن ثلاث نقاط تخص القضاة تتعلّق بخفض العطلة القضائية من شهرين إلى شهر واحد، وشمول «صندوق تعاضد القضاة» مع باقي صناديق التقديمات الاجتماعية للموظفين، والإبقاء على رواتب القضاة من دون تصحيح.
الأجواء التي ينقلها عدد من القضاة لـ «الأخبار»، تُبيّن اقتناع غالبية القُضاة بأن ما أقرّه مجلس النواب «يضرب السلطة القضائية» ويجعلها خاضعة للسلطة التنفيذية، في حين أن الدستور نص على استقلالية السلطات وعدم خضوع إحداها للأخرى.
ينطلق القضاة من قناعتهم هذه من مُنطلق رفضهم اعتبارهم «كسائر الموظفين»، وبالتالي الحفاظ على تمتعهم بما يُميّزهم ويُمكنهم من التمتع بالاستقلالية التي تُخوّلهم بدورها ممارسة سلطتهم بنحو مُستقلّ. يقول أحدهم إن «رواتب القُضاة كانت تُقارن برواتب الوزراء والنواب، وها نحن اليوم نجد أن رواتبنا باتت أقل من رواتب الموظفين». فهل يُؤثر الراتب الذي يتقاضاه القاضي فعلاً في استقلاليته؟ وهل تُضرب السلطة القضائية عبر العطل القضائية وصندوق التعاضد؟


مقلّد: السلطة التي يُمارسها القاضي لا تتأثر إذا ما كان راتبه أقل أو أكثر من الموظف


يرفض رئيس معهد القضاة السابق القاضي شبيب مقلّد، في اتصال مع «الأخبار» أي مُقاربة تقوم على مُقارنة راتب القاضي من أجل تقويم أدائه أو استقلاليته. يقول شبيب إن السلطة التي يُمارسها القاضي لا تتأثر إذا ما كان راتبه أقل أو أكثر من الموظف، مُضيفاً: «في نهاية المطاف، الجميع يقبض من الدولة. حتى رئيس الجمهورية وإن اختلفت تسمية الرواتب والمخصصات والبدلات، فهو يقبض أمواله من الدولة»، لافتاً إلى أن الدستور، القانون الأسمى، كرّس استقلالية القضاء وفصل السلطات، «وبالتالي لا حاجة لأي إجراء آخر ليعترف للقاضي باستقلاليته وبحقوقه».
ينطلق مقلّد من هذه النقطة لُيشير إلى أن حجم الراتب لا يجعل من القاضي موظفاً، «نحن نتكلم عن القضاء كسلطة عامة. القاضي لا يقول أنا سُلطة وأريد أتعابي، القاضي يتصرّف على أساس أنه سلطة»، ويختم بالقول إن القضاة غير ملومين في تحرّكهم، «إذ ينبع من ثقافة سائدة في لبنان تقوم على حفاظ كل تجمع أو جهة أو نقابة على امتيازاتها».
في المُقابل، ثمة من يطرح وجهة نظر أُخرى، مفادها أن مجلس النواب أهان السلطة القضائية عندما مسّ باستقلاليتها المالية، المتمثلة بصندوق التعاضد الذي كان يُشكّل ضمانة للقاضي. يقول المدير التنفيذي لجمعية «المُفكّرة القانونية»، المحامي نزار صاغية لـ «الأخبار»، إن الإجراء المتعلق بتوحيد صندوق التعويضات الاجتماعية يعني أن تعويضات القضاة باتت بيد الحكومة، وهو بمثابة «تعدٍّ على القضاء». ويُضيف صاغية: «السلطة تقول للقضاة علناً، إن الموظف بات يقبض أكثر منك»، مُتسائلاً: «لماذا إذاً يغدو السلك القضائي جاذباً للشبان الجدد بعد الآن، ما دام يستطيع أن يسعى كي يتوظف في بقية الإدارات؟». ويُضيف في هذا الصدد: «نحن نحكم في هذه الحالة بأنّ على القاضي الجديد إما أن يكون ثرياً وليس بحاجة إلى المال، وإما أن يُصبح مرتشياً، إذا كان راتبه أقل من راتب الموظف».
يُلخّص صاغية رأيه بمطالب القضاة التي يعتبرها مُحقة لأنها تحرمهم حقوقهم المُكتسبة بالقول: «لا يمكنك اعتبار القضاة أنهم يُشكلون سُلطة وتدفع لموظفيك أكثر منهم». برأيه، من هنا، كانت المُقارنة السابقة القائمة بين رواتب القضاة والوزراء والنواب، «كي لا يشعر القاضي بأنه أقلّ شأناً».
من جهتهم، يقول القضاة إنهم مُستمرون في اعتكافهم عن أعمالهم، مُهدّدين بتصعيد في حال عدم التجاوب مع مطالبهم. أما إجراءات التصعيد، فقد تتخذ أشكالاً متعددة، بدءاً من الاعتكاف عن النظر في قضايا الموقوفين وعدم التجاوب مع النيابات العامة، وصولاً إلى الاستقالة.