من المنطقي أنّ توزّع الحكومة السيَر الذاتية للسفراء الذين تنوي تعيينهم من خارج ملاك وزارة الخارجية، في البعثات إلى الخارج، بغية إطلاع الرأي العام على كفاءاتهم والأسباب الموجبة لاختيارهم. لكن، وخلافاً للمنطق، يجري التعامل مع ملفّ التشكيلات الدبلوماسية بمنطق «سرّي للغاية».


تؤلَّف حلقة ضيقة من الذين يُطلقون على أنفسهم لقب قوى «الصف الأول»، ويتقاسمون السفارات طائفياً وسياسياً، عوض أن تُقدّم الكفاءة والأقدمية في السلك على أيّ معيار آخر. يحصل ذلك بشكل فاضح أكثر في ما يتعلق بالتعيينات من خارج السلك الدبلوماسي، فتعمد القوى السياسية إلى تزكية المحسوبين عليها، مُجاهرةً بأنها تلجأ إلى هذا الإجراء إما لتُكافئ أحدهم، أو لأنّ الشخص المُعيّن يؤمّن مصلحة سياسية للفريق الذي انتدبه إلى إحدى البعثات الخارجية. هذا ما حصل في تعيينات السفراء من خارج الملاك إلى البعثات اللبنانية في كلّ من واشنطن وباريس وعمّان وأبو ظبي والرياض والأونيسكو والأمم المتحدة والجزائر. لم تُوزع السير الذاتية للمعيّنين في هذه المراكز على أعضاء الحكومة، قبل جلسة مجلس الوزراء.


المعترضون على التواصل
مع سوريا لم يعترضوا على
تعيين سفير في دمشق

حتى إنّ عدداً من الوزراء عرف بأسماء غابي عيسى، رامي عدوان، ترايسي شمعون، فؤاد دندن، فوزي كبارة، سحر بعاصيري، آمال مدللي، ومحمد محمود الحسن، عبر وسائل الإعلام (وتحديداً عبر «الأخبار»). أما لائحة أسماء بقية السفراء، من ملاك وزارة الخارجية، فلم تُقدّم من الأساس إلى الوزراء، ولم تتم مناقشتها خلال الجلسة الحكومية أمس، في قصر بعبدا. هكذا مرّ تعيين سفير لبناني في سوريا هو سعد زخيا، عوضاً عن القائمة بالأعمال فرح نبيه برّي (ستُعيّن على رأس مديرية الشؤون الاغترابية في الوزارة)، من دون تسجيل أي اعتراض من «الفريق السيادي» في البلد، الذي يضع «فيتو» على أيّ تواصل مع الدولة السورية. وبحسب المعلومات، فإنّ اتفاقاً عُقد بين رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل على تعيين زخيا في دمشق، وأنه سيكون معنياً بشكل أساسي بمتابعة ملفّ النازحين.
لم يمر ملفّ التعيينات الدبلوماسية من دون نقاشٍ بين الوزراء خلال الجلسة أمس. أبرز المعترضين كان الوزير يوسف فنيانوس، مع الإشارة إلى أنّ «تيار المردة كان المكوّن الوحيد في الحكومة الذي لم يُستشر في ما خصّ التشكيلات»، بحسب مصادر وزارية. سأل فنيانوس باسيل «كيف يُعقل أن يعرف الصحافيون بأسماء السفراء قبلنا؟». وحين حاول وزير الخارجية سرد كفاءة عدد من الدبلوماسيين من زغرتا، ردّ فنيانوس بأنّ اعتراضه على «مبدأ أنّ الوزراء لم يطّلعوا على الملفّ قبل 48 ساعة أقلّه». وكان فنيانوس الوحيد أيضاً الذي استفسر عن التقارير السلبية المُرسلة في الـ2012 من السفارة اللبنانية في هولندا، بحق مدير مكتب باسيل السابق، رامي عدوان، الذي عُيّن في منصب سفير لبنان في فرنسا. نفى باسيل التقارير بحق عدوان، واضعاً إياها في خانة «خلافات شخصية داخل السفارة في هولندا». وحين ذكر فنيانوس لباسيل ما يُحكى عن أنّ تعيين سفراء ينتمون إلى التيار الوطني الحر في كلّ من واشنطن وباريس والفاتيكان هدفه الإعداد لمعركة وزير الخارجية إلى رئاسة الجمهورية بعد 5 أعوام، أجاب باسيل مُتهكّماً: «أوف... أوف. إذا القصة قصة رئاسة الجمهورية، منطلب منهم (السفراء) يشتغلولكم ياها». الردّ الحاد أتى من وزير الأشغال: «أنت (باسيل) وأنا نعرف جيداً من الذي يصنع رؤساء الجمهورية في لبنان. الأكيد أنها ليست السفارات». حاول الوزير يعقوب الصراف التدخل لمصلحة باسيل، عبر طلب الفصل بين رئاسة الجمهورية والتشكيلات الدبلوماسية، فقال له فنيانوس: «البارحة كانوا يريدون (التيار العوني) استبدالك، واليوم تريد الدفاع عنهم لكسب رضاهم».
الجبهة الثانية التي فُتحت بسبب التشكيلات الدبلوماسية، ولو بدرجة أقلّ، كانت بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية. فالوزيران ملحم رياشي وبيار بو عاصي سجّلا تحفظهما الشكلي على عدم الاطلاع مُسبقاً على الأسماء، علماً بأن القوات كانت في صلب المفاوضات المتعلقة بالملف، ونالت حصة وازنة فيه. ولكن، كانت القوات اللبنانية تريد الاعتراض على تعيين ترايسي داني شمعون سفيرةً في الأردن. لم «يهضم» باسيل تحفّظ القوات، فقال لوزيريها: «أخذتم عدد البعثات الدبلوماسية الذي طلبتموه، واتفقنا معاً على الملف، والآن تعترضون؟». فأوضحا له أنّ التحفّظ شكلي.
في النتيجة، أقرّ مجلس الوزراء الترفيعات والمناقلات الدبلوماسية، باعتراض تيار المردة، وتحفّظ القوات اللبنانية، ووافق على تعيين قنصل لبنان في اسطنبول هاني شميطلي أميناً عاماً لوزارة الخارجية، والقائم بالأعمال في باريس غدي خوري مديراً للشؤون السياسية، والسفير كنج الحجل مديراً للشؤون الادارية والمالية. وسيُصار «إلى الإعلان تباعاً ببيانات تصدر عن وزارة الخارجية، بعد موافقة الدول على أسماء السفراء المرشحين».