لم يحدث أن انتشرت فوضى مماثلة لتلك التي تفتك اليوم بالخطاب السياسي والإعلام والفكر والنقاش، خاصة في مقاربة قضايا مصيرية. وهذه الفوضى، بالتكافل والتضامن مع انتشار خطابٍ تجريمي بعنصرية «مقلوبة»، هي التي نثرت أولى بذور الفتنة التي ذرّت قرونها بين الشعب اللبناني والنازحين السوريين.


لم تنتظر الفتنة اعتداءً وحشياً ومداناً من قبل شبان حولوا احتقانهم نحو شخص ضعيف، أو تضامناً بديهياً بين شعب وجيشٍ يواجه إرهابيين انتحاريين. لا، هذا تجهيل وذرٌّ للرماد في العيون.
تقول الرواية الكاملة، إن الخطاب التجريمي انطلق منذ أول مطالبة مشروعة بضبط الحدود أمام النزوح السوري الذي لم يتجاوز عشرات الألوف في عام 2012. أبطاله قوى سياسية لم ترَ أبعد من مصالحها الانتخابية ــ المذهبية، وفئات فوضوية وحاملو صفة «إعلامي (ة)» و«ناشطون» تلطوا وراء قضية النزوح للارتزاق من أممٍ متحدة، تزرع الحروب لدى شعوب ثم تسعى لحلّها على حساب شعوبٍ أخرى.
وتحت شعار «الإنسانية»، استثنوا من هذه القيمة الشعب اللبناني، ومارسوا ضدّه عنصريةً «مقلوبة». فإذا قلت إنّ مساحة بلدك الصغير وقدراته لا يمكنها تحمل ما رفضته بلاد عربية وإسلامية شاسعة، حولك البعض إلى «وحش» لا يتعاطف مع مأساة أخيه، وإذا توقعتَ أن كتلةً سكانية كبيرة لا بد أن يخرج منها أفراد إرهابيون، اعتُبرتَ أن لديك صورة نمطية مسبقة تجاه شعبٍ بكامله. جعلوك «مجرماً» بالقوة. أهدروا دمك، شبيهو «كاراخو» في مجموعة «قميص الصوف». صرخوا لتغطية جريمتهم في حق السوريين قبل اللبنانيين بعبارات مفخمة: «كاراخو ــ عنصري»، «كاراخووو ــ رهاب»... صرخوا إلى حدّ الاختناق. كل ذلك طمعاً في أموال من الدفق الدولي، أو انسياقاً في مشاريع قوى إقليمية ودولية، أو إسقاطاً لصورٍ نمطية عن «الآخر»، أو كلها معاً.
الفوضى العارمة تمثَّلت أيضاً في خلط الأمور وتغطية «السماوات بالقبوات». ففي مقابل الخطاب العلمي الموضوعي الذي يحدّد المعضلة ويحصرها، رفعوا الخطاب الإيديولوجي الخشبي. فمن لديه مشكلة عميقة مع قوى سياسية اتهمها بـ«اليمينية»، ومن غرق في الترف الفكري، بات يوزِّع على الجيش دروساً في كيفية اعتقال المرتكبين، إلى درجة بات معها اللبنانيون في تقريعٍ يومي وتجريم واتهام.
أولئك الصارخون «كاراخو ــ عنصرية»، هم أوائل المسؤولين عما آل إليه الوضع المحتقن بين لبنان والنازحين. هؤلاء من استخدم النزوح ليصنع ثروةً، ويقترع على ثوب وطنه.
لا يعدِم ذلك وجود وطنية لبنانية يراها البعض «فائضة»، وهي نتيجة طبيعية لانتقاص مقابل في الوطنية. والحال أنه منذ عام 2012، وصولاً إلى هجوم عرسال في 2014، تراءت للبنانيين أشباح الماضي. وجيلنا الذي قصوا على مسامعه أوامر منع العسكريين بعدم الخروج بالبزة العسكرية عشية الحرب، توجّس من عودة ماضٍ أليم، ما دام هناك سياسيون وشخصيات وقوى خشيت مواجهة الحقيقة وفضّلت مصلحة كراسيها على وجود وطنها.
* صحافي وباحث سياسي