وحده الترقّب كان سيد الموقف في بلدة عرسال. كل العيون شاخصة إلى جرود البلدة وما يحصل فيها من عملية عسكرية لتحريرها من عصابات «جبهة النصرة» و«داعش» الإرهابية، التي احتلتها منذ سنوات، وحرمت العراسلة مواسمهم وأرزاقهم، من بساتين كرز ومشمش ومقالع ومناشر ومخارط صخر، وحتى التهريب لمواد غذائية ومازوت وغيرها ممّا تحتاج إليه عرسال وأهلها من سوريا.


يترقب العراسلة أخبار الجرود، وما يتسرّب من معلومات عن سير العملية العسكرية التي أطلقها حزب الله والجيش السوري منذ فجر يوم أمس، بعد فشل المفاوضات مع مسلحي «جبهة النصرة».
ثمة ما ينتظره بعض العراسلة. صحيح أن البلدة احتضنت النزوح السوري (عدد النازحين في عرسال يفوق عدد أبنائها بثلاثة أضعاف). وصحيح أن الهوى السياسي لغالبية العراسلة مؤيّد لمعارضي النظام السوري. وصحيح أيضاً أن عدداً (قليلاً جداً) من أبنائها يقاتل في صفوف المسلحين الذين يحتلون الجرود. لكن، ثمة جزء كبير من أبناء البلدة يريد أن تنتهي الحرب في جرودهم بخروج المسلحين منها. الأمر هنا متصل من جهة بالخيار السياسي للبعض. لكن الموقف مبني كذلك على «التعب». تعب من حالة الطوارئ الأمنية التي تحكمها منذ عام 2011، وإرهاق اقتصادي سببه انقطاعها عن رئتها السورية، وعن مورد رزقها الأول (المقالع والبساتين)، وتوتر مع جزء من المحيط اللبناني.


تعبت عرسال من حالة الطوارئ الأمنية التي تحكمها منذ عام 2011

يقول أحمد الفليطي، الرجل السبعيني، لـ«الأخبار»: «كفى عرسال خطفاً وقتلاً وتنكيلاً وسلباً لأرزاقها وخيراتها، وآن الأوان للتخلص ممن اغتصب أرضنا وخيراتنا واعتدى على الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية». يشكو الفليطي من خسارة البلدة «خيرة أبنائها» على أيدي عصابات «همّها الأساسي كان تحصيل الأموال بعيداً عن الثورات والحرية، وبمشاركة شبان من البلدة، طمعاً بالمال أو بالمراكز القيادية في التنظيمات الإرهابية».
آخرون في البلدة يرون في تحرير الجرود باباً لحل أزمة النازحين التي حمّلت عرسال أكثر مما تحتمل. «تسلّم الجيش زمام الأمور يسهم أيضاً في عودة النازحين السوريين إلى قراهم في القلمون الغربي التي عادت آمنة ولم يعد هناك من خطر على حياتهم وأمنهم» يقول ابن عرسال، حسن عز الدين لـ«الأخبار».
يوم أمس كان العراسلة يرقبون بلدتهم أيضاً. كانوا يشعرون بـ«هدوئها»، رغم صخب القذائف ودويّ الانفجارات وأصوات الاشتباكات، والعين على مخيمات النازحين السوريين «وحتى على شبان من عرسال غرّر بهم»، بحسب أحد شبان البلدة. مخيمات النزوح السوري داخل بلدة عرسال عاشت يوم أمس هدوءاً لافتاً، حيث التزم الغالبية مخيماتهم ورفعوا الأعلام اللبنانية، نزولاً عند رغبة الحراك الذي نفذه لبنانيون وسوريون قبيل بدء معركة الجرود، والتزاماً ببيان بلدية عرسال الذي أكدت لهم فيه سلامتهم ومطالبتهم بالتزام مخيماتهم وعدم شهر السلاح بوجه الجيش اللبناني.
الجيش من جهته عزز نقاط تمركزه في محيط بلدة عرسال وفي الأماكن المطلة على وادي حميد ومدينة الملاهي بغية تأمين غطاء ناري حماية لمخيمات النازحين السوريين. وقد بدا ذلك واضحاً لدى محاولة مجموعة من المسلحين التسلل عبر وادي الزعرور إلى أحد مخيمات وادي حميد، حيث قصف الجيش بالمدفعية والأسلحة المناسبة تلك المجموعة، ما دفعها إلى الانكفاء والتراجع. وقد تكرر ذلك أكثر من مرة طوال يوم أمس.
الحديث عن حالات نزوح للنازحين السوريين من المخيمات خارج طوق الجيش نفاه رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري لـ«الأخبار»، وأكد أن الأمر اقتصر على 7 عائلات سورية انتقلت مساء الخميس إلى داخل البلدة، في حين أن ثلاثين سورياً سمح لهم الجيش بالعبور صباحاً من مخيم وادي حميد، إلا أنهم وإزاء التطمينات بحماية مخيماتهم من قبل الجيش عادوا أدراجهم إلى مخيّمهم، بحسب الحجيري.