«إنه اقتصاد السحر الأسود»

جورج بوش الأب


كما في كل مرة، كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن احتمال الانهيار النقدي في لبنان نتيجة إقرار السلسلة.

فبيان الهيئات الاقتصادية قال إن سلة الضرائب سيكون لها "تأثير كارثيّ على الاقتصاد والمجتمع اللبنانيين، وسيهزّ السلامة المالية للبنان وتصنيفه الائتماني ومرتكزات الاقتصاد اللبناني (...) إزاء هذه الأخطار، تناشد الهيئات الاقتصادية فخامة رئيس الجمهورية، وهو المؤتمن على الدستور والبلاد، واستناداً إلى المادة 57 من الدستور، أن يرد القانون إلى المجلس النيابي". وقد جاء هذا البيان العصيب على خلفية هستيريا اقتصادية جماعية في لبنان؛ فالسلسلة والضرائب التي أقرت أدت الى انقسام الناس أفراداً وجماعات، وبدأت أكبر عملية "اصطياد السحرة" في تاريخ لبنان، وأوهم كل لبناني أنه مغبون لأن الدولة تأخذ منه وتعطي الموظفين في القطاع العام زيادة "لا يستحقونها"، فاشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي ضد السلسلة والضرائب. وغاب في أكثر الأحيان التفريق بين الضرائب، الجيدة منها والسيئة، وفي جانبها السيئ، أي ضريبة القيمة المضافة والرسوم الإضافية، كثر الحديث المبالغ به جداً عن تأثيرها على التضخم، وعادت المعزوفة المزعجة للأخذ بيد الشمال ما أعطي بيد اليمين التي سمعناها سابقاً في معركة الأجور عام 2011 والتي تبين بطلانها آنذاك، وسيتبين بطلانها اليوم.

التقاء اليمين واليسار

زيادة في الطين بلة، بدأت بوادر شعبوية تتسلل الى صفوف الحزب الشيوعي اللبناني، وبدأ ما سمّي التقاء اليمين واليسار في رفض الضرائب (انظر تقرير تلفزيون الجديد عن تحركات الأحد الماضي أمام مجلس النواب)، وصولاً الى بيان الاتحاد الوطني للعمال والمستخدمين في لبنان، الذي رفض "زيادة الضرائب المباشرة وغير المباشرة"! من دون أي تمييز، لينتهي الأمر بمطالبة المعتصمين في رياض الصلح يوم الأحد رئيس الجمهورية برد القانون وتأييد الطعن به، والتقوا بذلك مع "الهيئات الاقتصادية"، التي بلا شك كان ممثلوها يضحكون في سرهم من هذه الشعبوبة اليسارية واليمينية على حد سواء.
بعيداً عن ردود الفعل الأولية هذه، والتي سيصحح البعض أخطاءه التي ارتكبها فيها، فإن معركة السلسلة وتمويلها، إضافة الى احتمالات "مخاطرها"، جاءت كلها لتجتمع في هذه اللحظة تتويجاً لمسار اقتصادي ــ سياسي بدأ في عام 1992. ولتبيان هذا المسار وكيف يتجلى الآن في السلسلة و"ضرائبها"، علينا تحديد المحاور الرئيسية لهذا المسار.

الخطيئة الأصلية

أولاً، إن الخطيئة الأصلية في لبنان هي "الجنّة الضريبية" التي بدأت بإصلاحات بدأ تطبيقها في 1993، عندما خفضت الضرائب على الأرباح والأجور الى حد أقصى 10%. وبسببها تراكمت عجوزات الخزينة والدين العام، وكان رد فعل الحكومات المتعاقبة على هذا التراكم "الكلام" حتى الغثيان، من دون التطبيق، حول ضرورة خفض الإنفاق ووقف الهدر من جهة، وتطبيق فعلي بشكل أساسي لزيادات ضريبية غير مباشرة من جهة أخرى، حتى وصلت الضرائب غير المباشرة، التي تصيب الطبقات المتوسطة والعاملة، الى 75% من الإيرادات الضريبية.


نحتاج إلى برنامج جديد
لا يقوم على إعادة توزيع
الثروة فقط، بل خلقها أيضاً

وكمثال على فشل أسلوب خفض الإنفاق، فشل الخطة الإصلاحية لحكومة الحص في 1998، وهو للإنصاف الحل الذي أثبت فشله مراراً وتكراراً لأن الإنفاق محكوم في لبنان بمتغيرات صارمة كون لا حيّز كبيراً لعصر النفقات، وخصوصاً بعد 1998. وعلى الذين يرفعون شعار "السلسلة بدون ضرائب" أن يشرحوا علمياً واقتصادياً للشعب اللبناني كيف سيفعلون ذلك من دون إلغاء السلسلة. هناك طبعاً حل من دون فرض ضرائب وهو زيادة العجز والدين وهو ممكن، إذ إن لبنان اختبر في التسعينيات عجوزات للخزينة بلغت أكثر من 20% من الناتج ولم يحصل انهيار نقدي. طبعاً، لا نريد المخاطرة بهذا الآن. ومن هنا لا حل إلا بنقض الخطيئة الأولى وتبعاتها وذلك برفع الضرائب المباشرة على الثروة والأرباح والريع. أما الذين يقفون اليوم ضد الضرائب لتمويل السلسلة، مهما تعددت أسبابهم، ويدعون إلى تمويلها من وقف الفساد والهدر، وصولاً الى اختراع أوهام غير واقعية حول إمكانية جمع المليارات من الدولارات المبالغ في تقديرها من وقف المساعدات للجمعيات ووقف التسيب في الجمارك وتهريب الدخان والأملاك البحرية والتي تموّل "عدة سلاسل" (من دون تعريف ما يعني ذلك!) فهم يحيون بشكل آخر فكرة خفض النفقات غير القابلة للتطبيق اليوم، وهم بالفعل يدعون، إرادياً أو لا، إلى "التقشف"، هذه الفلسفة اليمينية التي عاثت فساداً في اقتصادات الدول منذ الثمانينيات.

سعر الصرف والمديونية

ثانياً، سريان فكرة "أبدية تثبيت سعر الصرف" منذ 1992 حتى الان. فلبنان هو البلد الذي ثبّت قيمة نقده لمدة أطول من كل التجارب العالمية، وسبق الأرجنتين والأوروغواي في هذا المجال. ويترتب على هذا التثبيت الأبدي وجعله الهدف الوحيد للسياسة الاقتصادية تبعات اقتصادية؛ منها خسارة لبنان قدرته التنافسية وارتفاع الفوائد ودخول الاقتصاد في حالات انكماش أسعار مؤذية وعدم مقدرة الاقتصاد على التكيف إلا بخفض الأجور وتحميل العمال والأجراء وعوائد العمل كلفة التثبيث النقدي، وهو ما شهدته فرنسا في الثلاثينيات وأدى الى الركود الاقتصادي الطويل الأمد، كما اختبرته الأرجنتين التي وصفها بول كروغمان بأنها علقت على "صليب الدولار"، كما تشهد اليونان هذا الوضع اليوم.
ثالثاً، الاعتقاد بأن النمو يحل كل شيء. كان هذا الاعتقاد مرادفاً لمفهوم "الجنة الضريبية". فإذا كان تخفيض الضرائب سيزيد العجز مؤقتاً، إلا أن النمو الاقتصادي سيخفض الدين الى الناتج المحلي. ولكن ذلك لم يحصل، فبقي النمو في لبنان متدنياً نسبة الى تجارب الدول الخارجة لتوّها من الحروب، بالإضافة الى تقلبه الحاد في السنوات الـ 25 الماضية، ما أوصلنا الى نسبة الدين المرتفعة اليوم وإلقاء الدين العام (150 بالمئة من الناتج) وخدمته (9 بالمئة من الناتج) بثقله على مالية الدولة.
رابعاً، إقامة ميكانيزمات لسندات الخزينة من حيث المزايدات الاحتكارية من قبل مصرف لبنان وسيطرة بضعة مصارف على "سوق" السندات الحكومية في التسعينيات، ما أدى الى ارتفاع الفوائد عليها، والتي هي وعجوزات الخزينة المتراكمة أدت الى تفاقم الدين العام.
خامساً، البدء منذ 1998 بالاستدانة أكثر فأكثر بالعملات الأجنبية نتيجة ضغوط البنوك على الدولة وخوفهم من أن تقوم الدولة بإطلاق عجلة التضخم للتقليل من القيمة الحقيقية للدين العام، والذي هو دائماً خيار سيادي للدول التي تصدر ديوناً بعملتها المحلية. إن هذا التوجه الى الاستدانة بالعملات الأجنبية عطل إمكانية اتباع سياسة "التضخم المدار" (managed inflation) التي كان بإمكانها خفض قيمة الدين الحقيقية وإضافة مرونة للاقتصاد الذي كان قد بدأ يخنقه التثبيت النقدي.

الاعتماد على الخارج

سادساً، الاعتماد بشكل مطرد على الخارج من أجل الإبقاء على التحويلات بالدولار الأميركي لاستعمالها في استدانة الدولة بالعملات الأجنبية، ما جعل النموذج المتبع معتمداً على هذه التحويلات ومهدداً في حال تراجعها، كما يحصل اليوم في عجز ميزان المدفوعات الذي يحاول المصرف المركزي بيأس بالغ التعويض عنه بالهندسات المالية السيئة الذكر.
سابعاً، وهو الأهم، أن هذا التثبيت كان له قاعدة اقتصادية ــ سياسية، فعلى الرغم من تردي المؤشرات الاقتصادية التي أنذرت باحتمالات التخلي عن سياسة التثبيت، إلا أن الشراكة والارتهان المتبادل بين أطراف محور المصارف ــ المصرف المركزي ــ الدولة حافظ على التثبيت. أما المحور الثاني للاقتصاد السياسي للتثبيت، فقد كان خفض الأجور الحقيقية عبر تجميد الأجور من 1996 إلى 2008، لأن ارتفاع أسعار الفائدة، خدمة للمصارف، كان يجب أن يقابله تجميد الأجور حتى يحافظ الرأسمال التجاري والصناعي على ربحيته، بالإضافة الى منع لولب الأجور ــ الأسعار من الحدوث، الأمر الذي كان سيطيح التثبيت.
ثامناً، نتج من كل ذلك قيام الاقتصاد الريعي بكل مساوئه، التي أهمها تركز الثروة بأيدي القلة والجمود الاقتصادي وعدم خلق فرص العمل وانهيار البنى التحتية والبطالة المرتفعة والمقنّعة والعجز التجاري المزمن وسيطرة القطاعات المتدنية الإنتاجية.
تاسعاً، بعدما تبين أن الاقتصاد أصبح في أزمة بنيوية، وأن هناك معضلة كبيرة في "عقار التخدير" للنموذج، ألا وهو بقاء ميزان المدفوعات إيجابياً (فما دام هذا محققاً، فلا شيء آخر يهم، ويمكن بالتالي تثبيت سعر الصرف الى ما لا نهاية). ففي لبنان، أصبح التثبيت جزءاً أيضاً من "الرأسمال السياسي" لكل الحكومات المتعاقبة، بما فيها غير الحريرية. وهنا نرى التهافت على الهندسات المالية وبدء قيام مركنتيلية جديدة تحاول خفض الواردات بطريقة غير علمية. لكن في النهاية، تشكل هذه المحاولات اليائسة آخر الأسلحة دفاعاً عن النموذج القديم، بينما يصلّي القيّمون عليه في السر لتغير خارجي يعيد تدفق رؤوس الأموال وعودة ميزان المدفوعات الى الفائض ليستمر هذا النموذج الى ما لا نهاية.

انتصار العمل على رأس المال

أما اليوم، فإن السلسلة تشكل حدثاً جديداً حاولت الطبقات المسيطرة أن تؤجل مواجهته لسنوات، لكنها في النهاية لم تستطع إيقافه. إن إقرار السلسلة وسلة الضرائب المرافقة لها، وإن لم تكن كافية، جاء ليعلن للمرة الأولى منذ 1992 انتصار العمل على رأس المال في لبنان، من حيث البدء بكسر محاور الاقتصاد السياسي اللبناني الذي أوصل لبنان الى الأزمة الاقتصادية التي يعانيها اللبنانيون اليوم. وكل محاولة لتخويف اللبنانيين وإلقاء تبعة الانهيار على السلسلة والضرائب هي للحفاظ على مصالح الطبقات التي استفادت من هذا الاقتصاد السياسي الذي أقيم منذ 1992.
أخيراً، إذا حلّلنا بشكل موضوعي مخاطر السلسلة سنرى أننا نستطيع درء هذه المخاطر المحتملة من دون إلقاء السلسلة جانباً، ومن دون الذهاب الى حلول شعبوية لا أساس اقتصادياً لها. إذ إن السلسلة يمكن أن تشكل خطراً على الاقتصاد لثلاثة أسباب، يمكن تجنبها:
الأول، زيادة الدين العام وعجوزات الخزينة إذا لم تقرّ الضرائب لتمويلها، ومن هنا أهمية تمويل السلسلة بالضرائب والبدء بخروج الدولة من ارتهانها للمصارف والريعيين برفع الضرائب على أرباح المصارف والفوائد والأرباح العقارية.
الثاني، أن يتحول الإنفاق الجديد الى تضخم كبير، وهذا لن يحصل بسبب الركود الاقتصادي الحالي وصغر الإنفاق (حوالى 2 بالمئة من الناتج)، وكذلك بسبب أن جزءاً كبيراً سيذهب نحو استهلاك السلع المستوردة التي أسعارها محددة في الخارج.
أما الخطر الثالث فيكمن في زيادة العجز في ميزان المدفوعات وهذا وارد، لكنه ليس قدراً حتمياً. وهنا علينا أن نقابل هذا الاحتمال، إذا تبين زيادة احتمالاته، برفع الضرائب على الاستهلاك مرة أخرى لخفض تأثير الاستهلاك الزائد على حجم الاستيراد، وهذا سيكون مقبولاً فقط (وأشدد على كلمة فقط) إذا ربط ذلك بزيادة الضرائب على الشركات المالية والمصارف الى 30% ووضع الضرائب الاستثنائية على الهندسات المالية وزيادة الضرائب على الفوائد الى 15% ووضع ضرائب على الثروة وعلى العاملين اللبنانيين في الخارج على أرباحهم وأجورهم فوق حد معين... فمن دون هذه الإجراءات الراديكالية، يبقى هذا الاحتمال وارداً. ومن خلال درئه عبر هذه الزيادات الضريبية، نكون أيضاً قد خرجنا من تلك "الجنة الضريبية" الخادعة، والتي يتهافت الجميع للدخول إليها، نحو نظام ضريبي عادل يعيد التوازن أيضاً الى الاقتصاد اللبناني.
في النهاية، إن القوى والطبقات المتقدمة في المجتمع، وفي طليعتهم الشيوعيون الذين يجب أن يحملوا مشروعاً متكاملاً وعلمياً للتغيير، مطلوب منها أن تتبنى برنامجاً اقتصادياً جديداً يحمل في طياته، ليس فقط إعادة توزيع الدخل والثروة، بل خلقهما عبر إقامة اقتصاد عصري متقدم يستغل القطاعات الريعية عبر الضرائب تحضيراً لإلقاء النموذج الاقتصادي القديم جانباً. هنا يكمن رهان العصر الذي لا بد من الانتصار له.