ليس سهلاً أن تُلفظ عبارة «شكراً حزب الله» يوماً على شفتَي سمير جعجع أو أي قواتيّ آخر. غير أنها بدأت تمُر بنحو مموَّه في حديث الصالونات «المِعرابية». ولكي يبدو «الحرّاس» متصالحين مع أنفسهم، لا بدّ من ربطها بكلمة «ولكن»! ففي دردشة مع مجموعة من الصحفيين أمس، قال رئيس القوات اللبنانية كلاماً جديداً بحقّ المقاومة خلال نقاش بشأن معركة تحرير جرود عرسال من الجماعات الإرهابية.


وإن كان تعليق جعجع على دور الحزب يحِمل لغة مزدوجة، لكنه قياساً بموقف القوات وتاريخها أولاً، وبيانات تيار المستقبل ثانياً، يُعد خطوة لافتة.
فيوم أمس، قال جعجع إن «التقدّم الذي أحرزه حزب الله في الجرود، وسيطرته على عدد من المواقع التي كانت تحتلّها جبهة النصرة، حقّق نتيجة إيجابية لأنه سيحمي القرى ويُريحها. كذلك سيمنع اختراق مخيمات النازحين والمنطقة الحدودية». لم يتنكّر جعجع وللمرة الأولى للمكاسب التي حققها حزب الله، ولكن الخلاف يكمن في تشكيك الرجل بنيات المقاومة. ففي الاستراتيجية هذه المعركة «هي جزء من الحرب السورية التي يُشارك فيها الحزب لحماية النظام السوري، وسيكون لها انعكاسات على مشروع الدولة ككل. ما يعني أن معركة الجرود هي أساساً تدخل ضمن الحرب السورية، لكن لبنان استفاد من نتائجها». كان واضحاً محاولة رئيس القوات التخفيف من قيمة المعركة حين وضعها في سياقها الإقليمي. غير أن خلافه الاستراتيجي مع الحزب لم يمنعه من جبرها في ناحية أخرى حين كرّر موقفه الرافض «شيطنة حزب الله»، مقدّراً «تضحيات عناصر الحزب الصادقين»، قائلاً: «الله يحمي كل الناس»!
كان يُمكن القوات أن تُهاجم حزب الله وأن تتهمه بانتهاك السيادة اللبنانية. كان يُمكن نوابها ووزراءَها أن يردحوا ضد «مصادرة الحزب لقرار الحرب والسلم». وكان يُمكن جعجع نفسه أن يعقد مؤتمراً صحافياً كما جرت العادة، ليُهاجم المقاومة ويؤكّد أن الفضل في حماية لبنان يعود للجيش اللبناني وحده. لكنهم لم يفعلوا ذلك. سارت القوات على موجة التعاطف الشعبي، وضبطت نفسها. وقبل كلام جعجع، كان نائب رئيس الحكومة الوزير (القواتي) غسان حاصباني ينكر أن تكون عملية حزب الله قد جرت داخل الأراضي اللبنانية! فما هو السبب؟ بحسب مصادرها «لم يكُن بالإمكان الخروج عن شبه الإجماع الوطني عموماً، والتعاطف المسيحي خصوصاً»، ولا سيما أن «على الحدود قرى مسيحية حمتها هذه المعركة وجنبتها الويلات». لا تجد القوات نفسها محرجة كما تقول المصادر في معرض ردّها على بيان وزيرها غسان حاصباني. فكلامه «ليس تهرباً»، بل أتى في سياق أن «الحرب تدور في أرض ثلاثية الأضلع. منها جزء لبناني، وآخر سوري، وبعضها متنازع عليه».
صحيح أن لا حوار رسمياً بين القوات والحزب. لكن في الميدان السياسي، يُمكن أن يفسّر هذا الصمت وكأنه محاولة لفتح قناة اتصال مع الحزب، استكمالاً للتقارب في وجهات النظر الذي ظهر في مجلسي الوزراء والنواب، كما حصل مثلاً بشأن خطة الكهرباء المقترحة والآلية التي يجري فيها العمل لاستدراج العروض والمناقصات. وهذا ما يفسّر أيضاً توقف جعجع منذ فترة عن الهجوم على الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، بعد كل موقف يتخذه، في محاولة لربط النزاع في الداخل اللبناني.
قد لا يُصدق أحد أن جعجع تغيّر، وهو المعروف بعدائه للمقاومة، ووقوفه في صف خصومها. وأصلاً، إذا وُضع حديثه في سياقه الذي أتى به، فلن يظهر تراجعاً عن «ثوابته»، بقدر ما هو تعامل بواقعية مع حزب الله الذي بات قوة إقليمية معترفاً بها، وبالتالي معارضته لن تقدم ولن تؤخر في شيء، فضلاً عن أن معراب تراهن على أن المصالحة في الداخل اللبناني ربما آتت ثماراً لمصلحتها في المستقبل.