في أجواء ذكرى حرب عام 2006 بين المقاومة الإسلامية وإسرائيل، يستذكر قائد عسكري كبير في المقاومة وقائع المواجهات قائلاً إن إسرائيل لم تقيّم المتغيرات الجوهرية التي واجهتها في الأسبوع الأول من الحرب، والتي كانت كفيلة بإفهامها أنها لن تنتصر. وأضاف ان المقاومة الإسلامية فرضت على الجيش الإسرائيلي تكتيكات ميدانية كانت خارج إطار حساباته لكثرة المفاجآت التي واجهها منذ الأيام الأولى للمعركة حتى اليوم الأخير.


وأهم ما أدّت إليه هذه المفاجآت هو تعطيل سرعة دفع القوات الإسرائيلية برّاً وبحراً، والوقوع في فخ الحذر والخوف من القيام باندفاع أكبر.
هذا التقييم يتفق مع ما ذكره ضابط غربي كبير شغل منصب قائد قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان خلال فترة الحرب، وهو الجنرال الفرنسي ألان بيلليغيرني الذي أصدر كتاباً ترجم الى العربية عام 2012 تحت عنوان «صيف من نار في لبنان ــ 2006 كواليس نزاع معلن»، ذكر فيه حنكة المقاومة الإسلامية وإجراءاتها التضليلية التي رافقت عملية أسر الجنديين الإسرائيليين. وقال في وصف الأوضاع (ص 135): «مرّ أكثر من أسبوعين على الشروع في العمليات العدائية، ولم يتمكن الجيش الإسرائيلي من الاستيلاء حتى على خط الدفاع الأول لحزب الله، ولم يستطع الطيران على رغم معدل 400 طلعة في اليوم وقف إطلاق الصواريخ التي أجبرت سكان القسم الأكبر في الجليل على الإقامة في الملاجئ. وظهر الآن إخفاق الحملة الجوية، وبات على هيئة الأركان الإسرائيلية أن تعقد النية على هجوم برّي». وتحدّث عن معاناة الجيش الإسرائيلي الذي أخفق في هجومه البرّي، رغم استخدام ما يقارب ثلاثين ألف جندي (ص 82).
القائد العسكري الكبير في المقاومة لم يستغرب هذا الكلام على لسان ضابط غربي عمل تحت مظلة الأمم المتحدة، فوقائع الهزيمة الإسرائيلية في حرب 2006 أكبر من أن تختصر بكتاب، وقد صدرت عشرات الكتب حول الحرب بلغات العالم المختلفة. والحقائق والتبعات لا تزال تتمظهر حتى بعد مرور 11 عاماً.


60 مقاتلاً في عيتا الشعب تصدّوا للواء مظليّين تواكبه المدرعات

ويؤكد في حديثه على نقطة في غاية الأهمية مكّنت من تحقيق الانتصار، وهي أن قوة القيادة والسيطرة لدى المقاومة كانت أعلى بدرجات مما لدى الجيش الإسرائيلي الذي بدا متخبّطاً بشكل اضطرّه إلى إقصاء قائد المنطقة الشمالية خلال المعركة، وزجّ أعداد كبيرة من المشاة والدبابات بصورة يائسة في الساعات الأخيرة، لم تسهم إلا في زيادة حجم خسائره بصورة دراماتيكية.
وعند سؤاله عن إمكانية تغيير مشهد الحرب ومسارها لو أن إسرائيل زجّت بأعداد كبيرة من الجنود، قال إن ذلك لا يفيد الإسرائيليين بتاتاً في المواجهات، وإنما في نشر القوات بعد أن تتمكن من التقدّم. فالإسرائيليون استخدموا نخبة قوّاتهم ليتقدّموا في الجبهات وفشلوا، وزيادة الأعداد لن تؤدي إلا إلى زيادة الإصابات في صفوفهم. ورغم استخدام إسرائيل عشرات الآلاف من جنودها، فإن المقاومة لم تشعر بأنها بحاجة إلى زيادة عدد المقاتلين المنخرطين في المعركة.
وحول هذه النقطة، يذكر بيلليغريني أن ستين مقاتلاً في عيتا الشعب استطاعوا التصدّي للواء المظليّين الإسرائيلي الخامس والثلاثين الذي تواكبه المدرعات (ص 132). كما وصف القتال الشديد للمقاومين في بنت جبيل ومرجعيون والكمين المحكم لدبابات الميركافا في وادي السلوقي (الحجير) «الذي سيتسبب بهلاكها» (ص 165)، حيث بلغ مجمل دبابات الميركافا المدمرة أو المصابة، وفقاً لبيلليغريني، نحو 50 دبابة تمثّل «درّة الصناعات المدرعة الإسرائيلية» (ص 180).
لكن الإسرائيليين أعدّوا الكثير من التقارير التقييمية حول الحرب ليتغلّبوا على الثغرات؟
يجيب القيادي في المقاومة: «لا شك أن الإسرئيليين استفادوا من تجربة حرب 2006 وأدخلوا تحسينات على طريقة عملهم. لكن حجم الثغرات كبير الى مستوى قد يعجز الإسرائيلي عن سدّها بالكامل لأنها مغايرة لكل عقيدته العسكرية التي قام على أساسها، وهي خارج حساباته، ولم يواجه لها مثيلاً منذ قيام الكيان الإسرائيلي. فعلى مدى سبعين عاماً، لم تتوقع إسرائيل خصماً بهذا المستوى، لا بالمكان ولا بالقدرات العسكرية. لقد أسقطت المقاومة الإسلامية إمكانية استبدال العنصر البشري بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا عنصر رئيسي بارز في الجيش الإسرائيلي».
وهل قامت المقاومة الإسلامية بعملية تقييم بعد الحرب، ولماذا لم تنشر تقارير تقييمية كما فعل الإسرائيليون؟
أكّد أن طبيعة عمل المقاومة تفرض عليها إجراء تقييماتها بعيداً عن الإعلام. والتقييم عمل طبيعي في حركة المقاومة منذ ما قبل التحرير عام 2000. فلا نمو ولا تقدّم من دون تقييم، فكيف بحرب بحجم عام 2006 حيث دامت عملية التقييم الخاصة بها عدّة أشهر، وشملت مختلف القطاعات والمستويات لاكتشاف الثغرات وليس للحديث عن الإنجازات. وقد تمّ تحويل الثغرات الى برامج عمل سنوية لضمان تفاديها. وقال إن ميزة المقاومة تكمن في قدرتها على الاستفادة من كل الخبرات التي تراكمت لديها على مستوى إدارة المعركة. وإن منظومة عمل المقاومة تعطي فرصة أكبر للاستفادة من كل الطاقات، قياساً بمنظومة القيادة الإسرائيلية. وختم أن الأوراق التي تستخدم في الحرب مع إسرائيل لا تصلح لجولة ثانية، وبالتالي فلكل حرب أوراقها ومفاجآتها.