بحنين وشوق، يتسمّر أحمد عز الدين أمام شاشة التلفزيون في منزله في وسط بلدة عرسال. يشير بإصبعه المرتجف إلى كل بستان وتلة وواد ظهرت خلال التغطية المباشرة لمجريات معركة تحرير الجرود. «هيدي البساتين بوادي الخيل، ومن هون بتروح ع العجرم، ومنها ع الملاهي ووادي حميد».


تطول التسميات من: حرف وادي الضام، إلى عقبة نوح وغيرهما من المواقع التي يحددها الرجل السبعيني بدقة، قبل أن تدمع عيناه: «العراسلة خسروا كل هالخير والأرزاق اللي ع مدّ عينك والنظر، من مسلحين ما بيعرفوا لا الإنسانية ولا الله ودينه». يكمل متسائلاً: «كيف لمسلمين أن يذبحوا ويغتصبوا أرزاق الناس اللي احتضنتهم وأسكنتهم بيوتها، وسلبوا بساتيننا وأرضنا بأرزاقها التي يعتاش منها أولادنا وعائلاتهم».
اليوم، ومع تحرير جرود عرسال من احتلال «جبهة النصرة» الإرهابية، عاد الأمل الى معظم العراسلة، في حين لا تزال لدى البعض «هواجس» من عدم تسليم الأراضي لأصحابها، علماً بأن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله كان واضحاً حين أكد أن «كل هذه الأرض ستعود إلى أهلها».


نائبة رئيس البلدية: بعد خطاب السيد نصرالله أصبحنا على يقين بأن أرزاقنا ستعود الينا


تحرير رجال المقاومة نحو 100 كيلومتر مربع، على أن تستكمل بتحرير الأراضي التي يسيطر عليها مسلحو تنظيم «داعش»، يدغدغ مشاعر العراسلة بعودة الأراضي والأرزاق. «ستعود بساتيننا ومقالعنا ومناشرنا بعدما تحمّلنا الكثير» يقول محمد غداده.
وقد خسرت عرسال منذ بدء الأزمة السورية واحتلال جرودها القطاعات الإنتاجية التي يعتمد عليها أهلها كمورد رزق. فمن قطاع الحجر العرسالي بمقالعه ومناشره ومخارطه والمتناثرة في جرود وادي حميد والملاهي والحقبان ووادي الزعرور، إلى البساتين المترامية في الجرد الأدنى والأوسط والأعلى والتي تقدر بأربعة ملايين شجرة مع آلاف أشجار المشمش، إلى قطاع آخر لا يقل أهمية، وهو قطاع التهريب الحدودي. وكلها كانت تدر على العراسلة ملايين من الدولارت، لكنها، فجأة، انقطعت «مزاريبها» عن البلدة، بموازاة أزمة تدفق نازحين سوريين وبطالة حادة ومنافسة على ما تبقى من موارد رزق محدودة داخل البلدة التي تختنق»، كما يشرح صادق الحجيري رئيس تكتل هيئات المجتمع المدني في عرسال.
في جرود عرسال أكثر من 200 مقلع صخري، مع 300 منشار صخر، و100 مخرطة، وقد أقفلت غالبيتها، ما خلا 50 منشرة بقيت على عملها مع بعض المخارط، وتوقفت مع انطلاق العمليات العسكرية لتحرير الجرود. وكانت هذه المقالع والكسارات والمناشر تعيل نحو 5800 عائلة، يضاف إليهم «أسطول» الشاحنات وسيارات «البيك أب» التي تنقل الحجر العرسالي، من المقالع إلى المناشر، وبعضها إلى المخارط، في حين أن آخرين ينقلونها إلى البلدة والقرى المجاورة والمناطق اللبنانية. وبحسب الحجيري، فإن أكثر من 250 عائلة تعتاش من قطاع نقل الصخر، فضلاً عن العائلات التي تعتمد على قطاع النقل من فانات و«بيك أب» لنقل المواد الغذائية والأعلاف وغيرها.
ومن القطاعات الاقتصادية الأساسية في عرسال بساتين الكرز والمشمش المنتشرة في الجرود، والتي تضررت بشكل كبير، وخصوصاً في الجهة الشمالية الشرقية التي يسيطر عليها تنظيم «داعش»، حيث قطعوا بقصد التدفئة أكثر من 600 كعب، أما أشجار البساتين المترامية في بقية جرود عرسال «فأصابها العجز نتيجة عدم توفر المياه لها، وبالتالي هي تحتاج الى عناية خاصة في المرحلة المقبلة وزراعة بدل تلك التي ماتت» كما يوضح الحجيري.
قطاع التهريب الحدودي كان بدوره يشكل مصدر دخل لمئات العائلات العرسالية. ويشير الحجيري إلى أن خط تهريب عرسال كان أحد الخطين الرئيسيين في لبنان، لتهريب المحروقات والمواد الغذائية وغيرها من المواد والأعلاف.
ريما كرنبي، نائبة رئيس بلدية عرسال، قالت لـ«الأخبار» إن عرسال فقدت سائر مقوماتها الاقتصادية، حتى إن بعض العائلات توقفت عن كسب مصادر رزقها من القطاعات الإنتاجية في البلدة، «وباتت من دون دخل». وشددت على أن عرسال لديها كل «الأمل بعودة الأمور إلى نصابها، والأهالي إلى أرزاقهم، وبعد خطاب ليل أمس للسيد حسن نصرالله، أصبحنا على يقين بأن جرودنا وأرضنا وأرزاقنا ستعود إلى العراسلة لأنه شخص يلتزم بكلامه».