منذ تولي د. جان عليه مهامه مديراً عاماً لإدارة المناقصات وأصبح لهذه الإدارة موقعية في الحياة العامة، فلم تعدّ ممراً لتجاوز القانون والبصم على صفقات معدّة شروطها ومحدد مسبقاً من ترسو عليه.


لقد أطلق د. جان عليه مقولة صارمة أنه يطبّق القرارات وفق أحكام القانون، لا يطوّع القانون لتتوافق مع القرارات وأهواء واضعيها، هي خارطة طريقه التي أتقن استخدامها فلم يساير ولم يهادن على حساب القانون، ولعلّ ملف مناقصة المعاينة الميكانيكية خير شاهد على اعتراضه على مناقصة شاءت الإدارة أن يكون شاهداً عليها ولكنه أبى ورفع الصوت عالياً مبيناً المخالفات التي تعتريها، ولمّا أحيلت على إدارة المناقصات صفقة استمداد معامل توليد كهرباء عائمة، لم يكتفِ بإعداد تقريرٍ يفنّد المخالفات، بل قرر أن يردّ الملف إلى مصدره معلناً أنه ليس شاهداً على فتح الظروف لقراءة أرقام العروض المالية بل عمد إلى دراسة ملف الصفقة من الناحيتين الإدارية والفنية، ولما تبيّن له أنها غير منطبقة على قانون المحاسبة العمومية ولا على دفتر شروطها، أعلن أنه يتعذر عليه فض العروض المالية.
ينسجم موقف مدير عام المناقصات مع وثيقة بعبدا التي أوجبت تعزيز ودعم المؤسسات الرقابية لتؤدي دورها بشفافية ومهنية وبعيداً عن أي ضغوط، وأن تعمد الوزارات المعنية الحريصة على القانون إلى التجاوب مع ملاحظات إدارة المناقصات وأن تعمد إلى تصويب الصفقة بما يتوافق مع هذه الملاحظات. وما يؤسف أن نرى الوزارة المعنية تعمد إلى نقد قرار إدارة المناقصات علانية وكأنها خصم يجب غلبته في حلبة الصراع، مع أن الفريقين يفترض بهما أنهما متعاونان لخدمة المصلحة العامة، وهذا النقد العلني يؤدي إلى إضعاف الثقة بدور هذه الإدارة ويشكك بمصداقيتها وحرفيتها ما ينعكس سلباً على أداء دورها في حفظ المال العام وتصويب مسار الصفقات العمومية لتكون متوافقة مع القانون. ومن باب إنصاف إدارة المناقصات، نرى أن ما أثير حول تقرير استمداد معامل توليد كهرباء عائمة، هو مجافٍ للواقع وغير صحيح وذلك للأسباب الآتية:
- لا يحقّ للوزارة أن تطوّع القانون ودفتر الشروط الخاصة بالصفقة بموجب تقرير تعدّه شركة استشارية تقاضت مبالغ مالية لقاء عملها.
- إن إدارة المناقصات غير ملزمة باعتماد خبراء من الإدارة المعنية، لأن رأي الخبراء غير ملزم لإدارة المناقصات، وتتم الاستعانة بهم على سبيل الاستئناس فقط، من أجل معرفة تفاصيل حول إعداد الصفقة في هذه الإدارة.
- لا يمكن لإدارة المناقصات أن تسير بصفقة وقّع خبراء الإدارة على أنها تنطبق على الشروط التي أعدها الاستشاري وليس مع دفتر الشروط الخاص بالصفقة. فاللجنة التي استعانت بها إدارة المناقصات، أصرت على استعمال عبارة «مطابق مع ما طلبه الاستشاري»، ولما كانت إدارة المناقصات معنية ببيان انطباق الصفقة مع القانون ودفتر الشروط، فإنها لا تستطيع مسايرة الخبراء واعتبار أن الصفقة قانونية إذا توافقت فقط مع ما يطلبه الاستشاري.
- إن إدارة المناقصات لا تستطيع مسايرة الوزارة ولا خبرائها لناحية قبول عرض غير مستوفٍ الشروط الإدارية والفنية وقد جرى الاستعانة باستشاري لتعديل دفتر الشروط من أجل قبول عرضه فقط. ذلك أن تجمع الشركات العارضة التي زعم خبراء الإدارة أن عرضها مقبول، لا تملك الباخرة ولا التجهيزات، حيث اكتفت بتقديم مذكرة تفاهم بأن شركة Tersan تتعهد بتقديم باخرة خلال تسعة أشهر وشركة Siemens التي تعهدت للشركة العارضة بتقديم التجهيزات، مع العلم أن كلا الشركتين ليستا طرفاً في تجمع الشركات المشتركة في المنافسة. فهل يجوز قبول عارض بالاستناد إلى ورقة بينه وبين طرفٍ ثالث وهل نعيد تجربة صفقة النفايات الصلبة عندما قبل مجلس الإنماء والإعمار ملف عارض بالاستناد إلى وثائق تبيّن لاحقاً أنها حبر على ورق؟
إن هذه المخالفة لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن تخفيف الوطأة والقول إن العرض كان يحتاج إلى ورقة ليصبح مقبولاً، فالمسألة ليست أوراقاً وإنما كفاءة وقدرة المتعاقد مع الإدارة على تنفيذ واجباته فعلياً.
علماً أنها ليست المخالفة الوحيدة التي تشوب هذا العرض، بل ينقص من ملف العارض الذي رفضته إدارة المناقصات وثائق أساسية كالسجل التجاري لأحد الشركاء، وخلو المحضر الذي أعده الاستشاري من توقيع جميع الشركاء، ومخالفة دفتر الشروط لناحية الطاقة المطلوب توليدها، حيث فرض دفتر الشروط إنتاج 425 ميغاواط (+- 10%) بينما يقدّم العرض المرفوض إنتاج 320 ميغاواط، وكذلك فإن هذا العرض المرفوض هو لتشغيل معمل الزهراني فقط في حين أن الصفقة هي لمعملي الزهراني ودير عمار...
- بعد وضع دفتر الشروط الفنية للصفقة، عمدت الوزارة بناء على تقرير الاستشاري وخلافاً لقانون المحاسبة العمومية إلى تقديم تسهيلات لم تعلن عنها لتتاح المنافسة أمام شركات أخرى راغبة في الاشتراك وفق الشروط الجديدة، وأبرز هذه التسهيلات هي تمديد مهلة التسليم من 3 و6 أشهر إلى 9 و12 شهراً، ثم إلى ما لا نهاية، وكذلك تبديل مادة التشغيل من HFO إلى Diesel، واستبدال الخبرة من طاقة عائمة إلى طاقة على اليابسة، والسماح باستخدام خبرة عضو من خارج التحالف، كما أن دفتر الشروط الخاص بهذه الصفقة مجتزأ وغير مكتمل ولا يضمن حقوق الخزينة وجرى تعديله خلال عملية التقييم وهذا أمر مرفوض يخالف كل الأحكام والقوانين والمبادئ والشرع الأخلاقية في المناقصات العمومية.
واضحة قوة حجج إدارة المناقصات التي لا تدحض، وعلى فرض قبول إدارة المناقصات للعرض الثاني، فهذا العرض هو لمعمل دير الزهراني، بربكم من يرشدنا إلى العارض الثاني لمعمل دير عمار؟
لقد أحسنت إدارة المناقصات تطبيق القانون عندما رفضت فض العروض المالية، وإن تقريرها بهذا الشأن هو نهائي لا يخضع للمراجعة والنقد أمام مجلس الوزراء الذي لا يمارس سلطة أمرية رئاسية على تقارير هذه الإدارة، ومن يعترض على هذا التقرير عليه اللجوء إلى القضاء.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية وفي المعهد الوطني للإدارة