مَن قال إنّ أهل جنوب لبنان يُحبّون «شتلة التبغ»؟ لم يؤصّل أحد لهذا «الحُبّ الشائك» كما فعل المثقّفون والشعراء... والسُلطة مِن قبل ومِن بعد. كيف يُمكن لمُزارِع أن يَتغزّل بما يَعتبره هو «الشتلة المُرّة»؟ تلك الشتلة التي تُنتِج «لقمة مغمّسة بالعَرَق والدمّ». كيف جرى الخلط بين الحُبّ (أو الحاجة) لمردود تلك النبتة وحبّها لذاتها! أصبح الفصل صعباً. لقد تكرّست صورة نمطيّة.


هكذا يُصنَع الرمز المناطقي، يُكرّس بفعل الدعاية، فيُصبِح أخيراً «هويّة». إنّه أقرب العنف الرمزي (على طريقة بيير بورديو) الذي يُترجَم مِن خلال «فرض دلالات مُعيّنة، بوصفها دلالات شرعيّة، حاجباً علاقات القوّة التي تؤصّل قوّته». تَدعم السُلطة السياسيّة في لبنان هذه الزراعة، كما لا تفعل في زراعات أخرى أكثر حيويّة، إلى حدّ شراء المحصول بخمسة أضعاف سعره بحجة دعم المزارعين وترسيخ صمودهم في الأرض. تلك الأرض يُمكنها أن تُنتج زراعات أخرى، أكثر راحة، أطيب سمعة، أعلى منفعة، لكن هذا لا يَحصل. ما السبب؟ ابحث عن السُلطة التي يتراوح أشخاصها، في أحسن الحالات، بين الجهل أو عدم الطموح، وفي الأسوأ تكريس قوّة «زبائنيّة» لهذا الزعيم أو ذاك. هناك «مؤتمر سنوي لشتلة التبغ».


العودة إلى تلك «الأشغال الشاقة» كما يصفها ابن عرسال مسعود عزّ الدين
ربّما كانت تلك الشتلة بمثابة الملجأ الأخير في حقبة الاحتلال الإسرائيلي، للصمود في الأرض حيث ندرة البدائل، ولكن أن تستمر كذلك بعد التحرير، بالخطابات الشاعريّة نفسها، فهنا نقطة السؤال. أيّ مُزارع يَعرف أنّ الجهد المبذول في رحلة إنتاج التبغ، وهي الزراعة الأقسى هناك، يُمكنه أن ينتج، بالجهد نفسه، ثلاثة مواسم في زراعة أخرى. أيادٍ كثيرة نزفت مِن ذاك «الميبر» المعدني، بفعل شكّ الشتلة قبل نشرها في الشمس، وعيون كثيرة مثقلة بالنعاس، قامت ليلاً إلى الحقل، ومعها مصابيح الإنارة، لتدارُك «الندى» فوق النبتة لتسهيل لقطافها. لا وصف زراعي أقسى تجده في ذكريات أهل الجنوب. هذه هي أسطورة شتلة التبغ التي يتغنّى بها الشعراء. الأسطورة التي أصبح يُمكن ألا تكون قدراً... لكنّها ما زالت قدر الكثيرين.
إنّها ليست «الرمز المُصطنع» (سلطويّاً) الوحيد في بلادنا. الحَجَر العرسالي مثلها، وإن بشهرة أقل، نظراً إلى استهلاكه «برجوازيّاً» في بناء المنازل الفخمة، وذلك عكس التبغ المحلّي، الذي يستهلكه غالباً مَن هم «تحت». قبل الأحداث الأخيرة في سوريا، وتدفّق اللاجئين إليها، لم يكن لعرسال شهرة إعلاميّة توازي شهرتها بالحَجَر الذي يُقلَع مِن جردها الواسع. إنّه «حَجَر الزينة» الفاخر. نظرة فضائيّة، بواسطة الإنترنت، على عرسال وجردها، تكشف لك تلك البقع البيضاء الكثيرة هناك، والتي لو اتصلت ببعضها، وربّما هذا يحصل مع الوقت، لأصبح الجرد مساحة بيضاء تماماً. الآن هناك دعاية إعلاميّة جديدة، تتحدّث عنها السُلطة مجدّداً، خلاصتها أنّ تحرير عرسال مِن «داعش» و»النصرة» سيتيح للناس العودة إلى مقالعهم الحَجَريّة. العودة إلى تلك «الأشغال الشاقة» كما يصفها ابن عرسال مسعود عزّ الدين. الأخير صاحب «معمَل» حَجَر، وكان يستفيد مِنه قبل الأزمة، ومع ذلك يَعترف أنّ هذا العمل «في غاية الشقاء، لكن ما البديل؟ أكثر مِن ذلك، نحن اعتدنا الأمر، وأصبح العرسالي مع الزمن يُحبّ هذا العمل وقد تماهى مع طبيعته. في بداية شبابي طمحت إلى عمل آخر، أن أذهب إلى عملي وأعود إلى المنزل مرتاحاً، وأن اتخلّص مِن العمل بالحَجَر، لكنّ ليس لنا في هذه البقعة فرصة للأحلام». الحديث عن الضرر البيئي لتلك المقالع، والسموم المتطايرة على شكل غُبار، فهذا مفروغ مِنه. أنتَ تُنقِص كتلة جبال في دورة اقتصاد ريعي، بشكل عشوائي، آملاً ألا تتبخّر تلك الجبال أو أن لا يكون للطبيعة ردّ فعل! لقد رضي الجميع لأبناء عرسال هذه المهنة. طُمِس طموحهم، هناك في أرياف الأرياف، بما يُناسب سُلطة لا تُريد أن تسمع مُطالبات. لا تُريد أن تفتح باباً لطموحات جديدة هناك، وفي عموم البقاع، وليظلّ كلّ شيء على ما هو عليه. هكذا يُمكن فهم مصطلح «سوسيولوجية الدولة» (بين المؤسسات والأفراد) لبورديو، حيث يتم اختيار «الخبراء» الذين يُشكّلون اللجان العموميّة (هناك مجلس وطني للمقالع والكسارات في لبنان، مثلاً)، إذ تظهر «المِهَن التي يُرغَب في تثبيتها».
الأمر عينه، تقريباً، ينطبق على زراعة الممنوعات في مناطق مختلفة في البقاع. جرى «ترميز» المنطقة بحشيشة الكيف (المجرّمة والمحرّمة). لم تبادر الحكومات المتعاقبة إلى تنظيم هذا «القطاع» بتشريع الزراعة تحت عينها، للاستفادة مِن المحصول بطرق شرعيّة - قانونيّة، كما تفعل دول أخرى، إنّما اكتفت بملاحقة المزراعين والتصادم معهم، باستمرار، فلم تنقرض تلك الزراعة ولا جرى تنظيمها... وهكذا يتعايش الجميع مع الأمر الواقع، بلا حسم، مع «الرمز» الذي يُطبع على جبين المناطق.