أعلن التيّار الوطني الحرّ، في ١٣ تموز الماضي، خطّته الاقتصاديّة للمرحلة المقبلة ورؤيته المتوسطة المدى على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. جاء الإعلان في سياق حلقة متواصلة من الاهتمام بالواقعين الاقتصادي والمعيشي، بدءاً من وثيقة بعبدا التي أولت الشأن الاجتماعي حيّزاً مهمّاً، مروراً بمؤتمر مساعدة الشركات المتوسطة والصغرى الذي نظّمته وزارة الاقتصاد والتجارة، وعلى مقربةٍ من انطلاق مؤتمر الطاقة الوطنيّة اللبنانيّة.


لحظت الورقة إجراءات قصيرة الأمد تساعد على تحريك عجلة الاقتصاد الوطني والدفع باتجاه الخروج من الانكماش الذي يضرب معظم القطاعات، إلّا أن أهمّيتها الأساسيّة تكمن في تركيزها على الاقتصاد الحقيقي وعلى إحداث قفزة نوعية في الاقتصاد اللبناني، تسمح له أن يتحوّل تدريجياً من اقتصاد يقوم على جذب الودائع بشكل مستمرّ لتمويل العجز المتراكم في الميزان التجاري والحساب الجاري والماليّة العامّة – مع ما يترافق مع هذه الاختلالات من مخاطر ماليّة وهجرة لليد العاملة الماهرة وتراجع في الإنتاج وارتفاع في الدين العامّ والخاصّ – إلى اقتصاد مُنتج للسلع والخدمات الذكيّة وللتبادلات المفتوحة بعيداً من الاحتكارات، بما يؤدي الى:
- أولاً، خلق فرص عمل مُستدامة لليد العاملة الماهرة.
- ثانياً، خفض العجز التجاري وعجز الحساب الجاري.
- ثالثاً، تشجيع الابتكار والاستثمارات المُنتجة التي لا تقود إلى الفقاعات.
- رابعاً، خفض الدين العامّ ورفع القدرة الائتمانيّة للحكومة وللقطاع الخاصّ.
- خامساً، لعب دور محوري في الاقتصاد الإقليمي، سواء مع الدول العربيّة أو مع الشركاء الأوروبيين في الضفة المقابلة من المتوسط.

تفادي الصدمات الخارجية

بالإضافة إلى تركيزها على الاقتصاد الحقيقي، وعلى الاستثمار الكبير في البنية التحتيّة، وتطوير المناطق البعيدة، وتحرير الأسواق الداخليّة تماشياً مع متطلبات الاقتصاد الحديث، وضعت الورقة في سُلّم أولوياتها ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفادي صدمة خارجيّة في تمويل الحساب الجاري أو في تدفقات ميزان المدفوعات أو في سعر الصرف أو في معدل الفوائد العالمية، لما يُمكن أن تسبّبه هذه الصدمة من ضررٍ على النظامين المالي والاجتماعي، ولما ينتج عنها من تداعيات خطيرة على حياة اللبنانيين وعلى أمنهم الاجتماعي ومصالحهم.
لذلك، وضعت الورقة في سلّم أولوياتها ضرورة إعادة بناء الطبقة المتوسطة، ليس فقط لأنها العمود الفقري للاقتصاد، بل أيضاً لأن تماسكها أساس في المحافظة على تركيبة لبنان المتنوّعة ووقف الهجرة ورفع حجم الناتج المحليّ، ما يقود إلى دخول لبنان خلال السنوات الخمس المقبلة إلى نادي الدولة المُرتفعة الدخل.
جاءت ردود الفعل إثر إعلان الورقة هادئة، وأجمع مُعظم من علّق عليها على علميّتها وتجرّدها، وعلى الجرأة في مقاربة عدد غير قليل من المسائل التي تتفادى الأحزاب عادةً التعامل معها، بسبب تضارب مصالح الفئات التي تكوّن المجتمع والتي تشكّل البيئة الحاضنة لهذه الأحزاب.
ما استوجب الترحيب بهذه الورقة هو توجُّس مُعظم اللبنانيين من الواقع الحالي، والقناعة التي تشكّلت عبر السنوات الماضية لدى الرأي العامّ أن النظام الاقتصادي الحالي – الذي يسعى إلى المواءمة بين مصالح قوى عديدة لا تلتقي في ما بينها إلّا على المحافظة على امتيازاتها – لا يمكن إلّا أن يطيل أمد الأزمة الحالية من دون أن يكون في الأفق مخرجٌ أو بابٌ للأمل. ولعلّ أكثر ما يُعبّر عن توجُّس اللبنانيين هو ما عبّر عنه رئيس التيار الوطني الحرّ، جبران باسيل، عند إعلان الورقة، إذ قال صراحة أن البديل من الإصلاحات الهيكليّة هو الإفلاس.

أولويّة تنشيط الاقتصاد

وضعت ورقة التيّار الوطني الحرّ خطّة عمليّة لتحفيز النمو الاقتصادي على المدى المنظور، عبر إطلاق سلسلة من المشاريع المُقرّة من الحكومات المتعاقبة والتي يتوافر لمعظمها التمويل الداخلي والخارجي، ومُعظم هذه المشاريع عمل عليها وزراء التغيير والإصلاح وتعاونوا على إتمام خططها مع الجهات المانحة.
كما يترافق إطلاق المشاريع مع حزمة من الإجراءات الإداريّة والتنفيذيّة التي تُسهّل المبادرة الفرديّة وتخفّف من التعقيدات غير اللازمة التي تقيّد بيئة الأعمال.
يسمح المشروع بإنجاز الخطوات القصيرة الأمد وإعطاء دفع للنشاط الاقتصادي، قد يصل إلى نقطتين من النمو الإضافي للناتج المحلّي بنهاية عام ٢٠١٨، ما يقود، وبشكل ملحوظ، إلى الحدّ من التداعيات السلبيّة لأزمة النزوح السوري ولضعف الطلب الداخلي، فيتحسّن وضع القطاعات الحيويّة في شكل مقبول، ويعوَّض قسمٌ من الخسائر المتراكمة في القطاعين الصناعي والزراعي، كما يتحرّك القطاع العقاري وتتحسّن توقعات المستهلكين.

توازياً، القيام بإصلاحات هيكليّة وبنيويّة

بالتوازي مع إطلاق عجلة الاقتصاد على المدى القصير، تدعو ورقة التيّار الوطني الحرّ إلى إنجاز الإصلاحات الهيلكيّة من دون تردّد، بهدف خفض الدين العام نسبة للناتج، ورفع الفائض الأولي في الحسابات الماليّة للدولة، فضلاً عن تطوير البنية التحتيّة في شكل جوهري (عبر إنشاء شبكة قطارات تغطّي المحافظات الست، وتوسيع مطار رفيق الحريري الدولي وإنجاز فرعٍ آخر له، وتنفيذ مشروعي إليسار ولينور، واستكمال إنجاز خطّة الكهرباء قبل عام ٢٠٢٠، والبدء باستخراج النفط والغاز، وإعادة ترميم الخسائر البيئيّة المُتراكمة بما فيها تعبيد ما دمّرته الكسّارات وأحرقته النار...).
إن خفض الدين العام نسبة للناتج المحلّي أولويّة في ذاتها. فمع تخطّي هذا الدين حدود الـ١٥٠% من الناتج، وارتفاعه في شكل مطرد من سنة إلى سنة، ومع ترافق الارتفاع في الدين العام مع ارتفاع الديون الخاصّة للأفراد والشركات، أصبح واجباً كسر الحلقة المترابطة بين العجز في حسابات الماليّة العامّة، وارتفاع الفائدة، وانخفاض الاستثمار، وارتفاع هجرة اليد العاملة الماهرة التي تساهم بتمويل العجز في الميزان التجاري. كما أصبح لزاماً تصحيح الخلل الضريبي عبر إعادة توزيع الأعباء، فتنخفض مساهمة المجتمع في الجهد الضريبي (أي الضرائب غير المباشرة التي تطال جميع الشرائح بمعزل عن مداخيلها)، مقابل تحويل جزء من العبء إلى الأرباح (أي الضرائب المباشرة)، مع التشديد على عدم رفع نسبة الضرائب (باستثناء ما أقرّه مجلس النواب مؤخراً والذي نتج عن توافق القوى السياسيّة منذ عام ٢٠١٥).
لفتني في هذا المجال تساؤل البعض عن كيفيّة رفع إيرادات الدولة من ١٩% إلى ٢٦٪من الناتج من دون رفع النسب الضريبيّة، بل على العكس مع إعادة النظر في عدد من الإجراءات الضريبيّة التي تطال المواطنين (ضرائب غير مباشرة).
إن الإجابة المُقتضبة على هذا التساؤل هي عبر الالتزام والتحصيل الضريبي، اللذين من شأنهما دفع الإيرادات بما لا يقلّ عن ملياري دولار سنوياً. (يمكن في هذا المجال العودة إلى كتاب الأستاذ منصور بطيش عن الماليّة العامّة والذي اعتُمد في ورقة التيّار الوطني الحرّ لدى صياغة الجزء المتعلّق بالنظام الضريبي).

تصحيحٌ متدرّج للاختلالات، كي لا يكون التصحيح حِكماً

أشرت في بداية المقال إلى المصالح المُتضاربة للفئات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، التي يسعى كلٌّ منها للحصول على منافع تتخطّى مساهمته في حجم الناتج المحلي أو في تحديث الاقتصاد (نذكر على سبيل المثال المصالح المُتضاربة للأجراء وللبنوك ولأصحاب المهن الحرّة وللمتعاقدين وللقضاة...).
بيّن العلم الحديث أن التضارب في مصالح الفئات المختلفة يأخذ أشكالاً أكثر حدّة عندما يدخل الاقتصاد حلقة من الانكماش في النمو وارتفاعاً في معدّلات الديون، فتلجأ كلّ فئة إلى الدفاع عن امتيازاتها من دون الأخذ بالاعتبار درجة المخاطر التي تحيط بالاقتصاد وبمصالح هذه الفئات بالذات.
لعلّ أكثر ما يجعل من ورقة التيّار الوطني الحرّ المخرج الملائم لانتعاش الاقتصاد وبناء المستقبل هو في طرحه بدائل «ناعمة» وطرقاً فرعيّة تسمح بالخروج من نفق الأزمة، فتعود جميع الفئات عن بعض قليل من امتيازاتها (وهي في قسم منها غير محقّة)، بدل أن يأتي التصحيح على حساب الجميع، وهو ما أشار إليه رئيس التيّار الوطني الحرّ لدى إعلان الورقة.
إن حدوث صدمة خارجيّة – أكانت في التدفقات التمويليّة أو في سعر الصرف أو في تمويل العجز الحكومي أو في ارتفاع معدل الفوائد العالمية – من شأنها إحداث ضرر بالغ بجزء كبير من اللبنانيين، إذ يخسر مساهمو البنوك آنذاك قسماً من رساميلهم (نتيجة انكشاف البنوك على الدين العام وعلى القروض العقاريّة)، ويخسر الأجراء ما حصلوا عليه نتيجة لسلسلة الرتب والرواتب (بفعل انخفاض سعر الصرف)، ويخسر المودعون جزءاً من ودائعهم، ويخسر التجار جزءاً من ديونهم ومن حجم الأعمال في السوق، ويخسر المطوّرون العقاريون استثماراتهم...
في المقابل، تطرح ورقة التيّار طريقاً لتفادي الصدمات الخارجيّة، وترسم سبيلاً إلى خلق مئات الآلاف من فرص العمل لليد الماهرة، كما تحمي الطبقة المتوسطة وتزيل الأعباء عن غير المقتدرين، والأهمّ أنها تجعل اللبنانيين واللبنانيات يحلمون بإنجازات يمكن تحقيقها، وبنية تحتيّة وتكنولوجيّة متطوّرة، ومناطق نائية تعجّ بالناس والحياة، ومعاهد وجامعات تركز على البحث العلمي وعلوم المستقبل، وبيئة سليمة. أضف إليه أنها تضع الإنسان في قلب «الحلم – الممكن» الذي لا يتطلّب إلّا إرادة طيّبة ورصانة سياسيّة وتصميماً على جعل حياتنا أفضل وأجمل.