التسوية الرئاسية التي حصلت في لبنان، والحفاظ على حدّ أدنى من الوفاق الداخلي، لا يعنيان أنّ البلد سيكون في منأى عن الصراعات الاقليمية. هذا ما تتحدّث عنه شخصيات تدور في فلك تيار المستقبل، وأخرى معارضة له، ولكنها على تواصل دائم مع الديبلوماسية السعودية في لبنان؛ ففي الوقائع الاقليمية، سياسياً وميدانياً، هناك تقدّم شبه ثابت لـ«محور الممانعة»، في حين أنّ المحور المقابل، الذي تُشكل السعودية أحد أبرز ركائزه في الإقليم، لا يتوقّف عن مراكمة الخسائر، أو في الحدّ الأدنى، لم يُسَجَّل له منذ فترة أي تقدّم يُذكر، حتى على مستوى المفاوضات السياسية.


وفي آخر حرب ومعركة سياسية شنّتهما السعودية على بلدين «شقيقين»، اليمن وقطر، «لم تتمكن من تحقيق أهدافها منهما». فلا شعب اليمن لانَ، ولا قطر تقوقعت في عُزلتها. أما لبنان، فلم يكن بأي حال من الأحوال أداةً في اليد السعودية، أو مُستعداً ليُنفّذ أجندتها. وقبلهما في العراق وسوريا، تبدو السعودية خالية الوفاض.
من طبيعة الخاسر أن يُحاول إحراق كلّ شيء خلفه، حتى ولو عنى ذلك المزيد من الخراب. بناءً عليه، لن تُمانع السعودية إعلان حالة العداء مع الدولة اللبنانية، وزيادة الضغوطات الخليجية عليه، حتّى لو انعكست هذه الإجراءات سلباً على عدد من حلفاء المملكة، أبرزهم تيار المستقبل. هذا التوجه الذي يتحدّث عنه، بثقة، بعض المقرّبين من الرياض وواشنطن، لا صلة له بمعركة جرود عرسال التي أتت كخاتمة لمسار الخسائر السعودية ــ الأميركية في الإقليم. وقبل عرسال وبعدها، يضع الأميركيون نصب أعينهم البحث عن خيارات لإضعاف حزب الله. وممّا زاد من إحراج هذا المحور التعاطف الشعبي مع الحزب، والذي لم ينحصر في بيئة طائفية مُعينة، ما استفزّ السعودية والإمارات، ومعهما ما يُسّمى «المجتمع الدولي». السفير البريطاني في بيروت هيوغو شورتر كان أول المستنفرين. قصد عدداً من المسؤولين العسكريين والسياسيين، قائلاً بوضوح إنّ «بريطانيا لا تسهم في تمويل الجيش حتّى يشنّ حزب الله المعركة ويستثمر الانتصار»، بحسب مصادر مُطّلعة.


قال السفير البريطاني إنّ دولته لا تُموّل الجيش حتى يشنّ حزب الله المعركة


فهل تكون معركة جرود عرسال التي خاضتها المقاومة، والنسخة الثانية من العقوبات المالية التي سيُصدرها الكونغرس الأميركي، ذريعة السعودية حتى تُعلن بدء مرحلة العداء لدولة لبنان، ولو أتى ذلك على حساب حلفائها المفترضين، كتيار المستقبل؟
«بعد قطر سيأتي دور لبنان»، تقول مصادر معارضة لتيار المستقبل، لكنها غير بعيدة عن السعوديين. ولكن ردود الفعل العدائية «لن تظهر قبل صدور العقوبات الأميركية الجديدة ضدّ حزب الله». حالياً، سيكون عنوان المرحلة «معركة التهويل». يتقاطع هذا الكلام مع ما تقوله مصادر قريبة من تيار المستقبل عن أنّ «الضغوطات الخليجية سترتفع مع الأيام». وبعد رسالة الكويت إلى وزارة الخارجية اللبنانية، والتي ترى أنّ تصرفات حزب الله تُهدّد أمن الكويت واستقرارها، وتدعو «الحكومة اللبنانية إلى ممارسة مسؤولياتها تجاه وقف هذه التصرفات غير المسؤولة التي يمارسها حزب الله اللبناني واتخاذ الاجراءات الكفيلة بردعها»، تقول المصادر القريبة من «المستقبل» إنّه يجب «انتظار تحرّك سلبي من جانب الإمارات، حينها يتأكد وجود توجّه سعودي لمعاداة لبنان».
رئيس مجلس الوزراء، العائد إلى الحُكم بعد تسوية رئاسية مع حزب الله وأطراف سياسية أخرى، سيكون وضعه حرجاً في هذا الواقع. «خيبة أمل» حلفائه الإقليميين منه نابعة من أنّ التسوية التي بشّر بها طويلاً لم تُنتج سوى المزيد من التغطية لعمل حزب الله. حتى إنّ عجلات العمل الحكومي تدور ببطء شديد، فلا تستطيع أن تستر، ما تعتقده السعودية، «العورات» السياسية. لذلك، «انخفض منسوب الحماسة السعودية لتقديم الدعم المادي لحلفائها اللبنانيين، من أجل مساعدتهم على الفوز في الانتخابات المقبلة». فهل يتأزّم الوضع إلى درجة فرط التحالف الحكومي؟ البعض يؤكد ذلك، فيما المصادر التي تتواصل مع الديبلوماسية السعودية ترى أنّ «أجراس إنهاء حكومة سعد الحريري لم تُدقّ بعد».
مقابل هذه الأجواء، هناك رأيٌ آخر تُعبّر عنه جهات مُطّلعة وعلى تواصل مع مختلف القوى المحلية، تؤكد أنّ «السعودية لا تملك استراتيجية للتعامل مع الواقع اللبناني. ثمة ضياع سعودي». حتى الإدارة الأميركية «غير مُهتمة بالتفاصيل اللبنانية، والعقوبات لا تندرج سوى في السياق الطبيعي لسياسة أميركا ضدّ حزب الله». أما موقف الرئيس دونالد ترامب بعد استقباله الحريري، «فصاغته السفيرة الأميركية في بيروت وأحد مستشاريها السياسيين». صحيحٌ أنّ حزب الله «دفع بالسعودية وحلفائها إلى المكان الذي يريده، وهناك جوّ عربي ــ أميركي ــ بريطاني، معارض لما يحصل، بيد أنّ ذلك لا يعني أنّ السعودية ستقطع الحبل مع لبنان».