نشرُ «جبهة النصرة» فيديو يُظهر الأسير مهدي شعيب يطلب من أهله التدخل لدى قيادة حزب الله لوقف المعركة كي لا يُقتل، كان بمثابة صافرة انطلاق المفاوضات بين حزب الله وجبهة النصرة، بعد انطلاق معركة جرود عرسال قبل 12 يوماً. غير أن جانباً كبيراً من كواليس التفاوض بقي خفيّاً، رغم أنها مرت بمراحل ثلاث. المرحلة الأولى، قبل المعركة بشهرين، كانت تهدف إلى تحرير أسرى حزب الله لدى جبهة النصرة في إدلب. لم تنجح المفاوضات حينها.


رغم ذلك، انطلقت المرحلة الثانية خلال الحشد للمعركة، بهدف إخراج «النصرة» من الجرود، ففشلت المفاوضات أيضاً. وبعد انطلاق المعارك، بدأت المرحلة الثالثة، لتحقيق تحرير الجرود وإخلاء الأسرى. وكادت صفقة التسوية تُطاح، مع رفع النصرة سقف مطالبها، لولا أن لوّح حزب الله بالعودة إلى المعركة. كان التفوّق ميدانياً لمصلحة حزب الله، ما حال دون أن تفرض جبهة النصرة شروطها، لكنها حصلت على ورقة قوة بأسرها ثلاثة عناصر من الحزب بعد بدء هدنة وقف إطلاق النار. غير أن ورقة القوة هذه لم تخوّلها سوى الحصول على 5 سجناء في مقابل الأسرى الذين كانوا في قبضتها. حاولت النصرة تحقيق انتصار إعلامي، رغم الهزيمة العسكرية، سواء عبر المقابلتين الإعلاميتين اللتين أجراهما أبو مالك التلّي ليخرج فيهما يتحدث كما المنتصر، أو الإيحاء بأن جبهة النصرة فرضت شروطها.


وسيط زار «أمير
الدولة الإسلامية»
في الجرود ثلاث مرات


ورغم أنه لم تُكشف رسمياً بعد خفايا المفاوضات التي سبقت إتمام الصفقة المعقودة بين حزب الله و«جبهة النصرة»، إلا أن مصادر بارزة مقربة من قيادة جبهة النصرة كشفت لـ«الأخبار» أن القائد العام لـ«جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني هو من كان يدير دفة التفاوض وليس أمير قاطع القلمون أبو مالك التلّي. وتحدثت معلومات الجبهة عن مسار مفاوضات عمره أشهر لإخراج أسرى حزب الله الخمسة في إدلب مقابل إخراج المطلوب شادي المولوي ورفاقه من المخيم، لكنها تعثّرت أكثر من مرة. إضافة إلى مطلب ثانٍ كانت تُطالب به قيادة النصرة يتعلق بالإفراج عن سجناء «مهمّين» موجودين في السجون اللبنانية. غير أن المفاوضات توقفت بعد رفض حزب الله مطلبَي الجولاني. معركة الجرود أعطت زخماً لإعادة فتح باب التفاوض.
تضيف المصادر أن العلاقة الوطيدة التي تربط المطلوب اللبناني شادي المولوي بالجولاني، دفعت الأخير إلى الطلب من التلي إدراج شرط إخراج شادي المولوي ومجموعته من مخيم عين الحلوة لإتمام صفقة التبادل. وهنا تؤكد مصادر سورية في «النصرة» أن العلاقة بين التلي والمولوي توتّرت في الأشهر الأخيرة، مشيرة إلى أن سبب الخلاف مالي، مردّه اعتبار المولوي أن التلّي، بوصفه مسؤولاً عن الساحة اللبنانية مجبرٌ على توفير مصاريف للعناصر التي بايعت التنظيم، والمحاصرة في عين الحلوة. وتكشف المصادر أن التلي أرسل مبالغ مالية إلى المولوي عدة مرات، قبل أن يوقف دعمه عنه لأسباب غير محددة.
وسيط يزور «أبو السوس»
من جهة أخرى، كشفت مصادر غير لبنانية مقربة من تنظيم «الدولة الإسلامية» أن وسيطاً جديداً دخل على خط التفاوض مع قيادة التنظيم في القلمون، مشيرة إلى أن الوسيط المذكور زار الأمير العسكري لتنظيم «الدولة» في الجرود موفق أبو السوس ثلاث مرات. وكشفت المصادر أن الوسيط وهو من مدينة القصير السورية، ومن أقرباء أبو السوس، التقى ضباطاً من الأمن العام اللبناني. وذكرت المصادر أن المفاوضات بين الأمن العام والتنظيم ستركز على مسألتين: الأولى مصير العسكريين المخطوفين لدى تنظيم «الدولة»، والثانية فتح ممر للخروج إلى البادية السورية إن نجحت المفاوضات. وفي هذا السياق، تؤكد المصادر أن شرط الأمن العام الرئيسي للسير في التفاوض هو إحضار فيديو يكشف مصير العسكريين المخطوفين. كذلك تشير المصادر إلى معلومة نُقلت إلى الأمن العام تفيد بأن العسكريين المخطوفين لدى «الدولة الإسلامية» قُسِّموا إلى مجموعتين: واحدة بقيت في الجرود، فيما المجموعة الثانية انتقلت برعاية الأمير السابق للتنظيم أبو طلال الحمد (قُتل لاحقاً) إلى الرقة، عاصمة التنظيم السورية. وتكشف المصادر أن زوجة الأمير المقتول موجودة اليوم في تركيا، وربما تملك معلومات عن مصير العسكريين، أو على الأقل المجموعة التي انتقلت إلى الرقة.
ويواجه تنظيم الدولة في القلمون معضلة أساسية، هي عدم قدرته على حشد عائلات من النازحين لتأمين ما يشبه الدرع البشرية له أثناء المغادرة كما كانت الحال مع النصرة، إذ إن معظم مناطق سيطرة داعش في الداخل السوري تتعرض لقصف يومي من قبل الجيش السوري والطيران الروسي والتحالف الأميركي.