حسمت الدولة اللبنانية أمرها: الجيش وحده سيحرر الأرض التي يحتلها تنظيم «داعش». في الأسابيع الماضية، تلقى الجيش عروضاً لدعم جوي تؤمنه الطائرات الأميركية، التي تقاتل ضمن «التحالف الدولي». وبطبيعة الحال، رُفِض هذا الاقتراح من قبل قوى سياسية بارزة، على رأسها حزب الله. في المقابل، سألت بعض القوى السياسية عن سبب عدم طلب دعم جوي روسي، من القوة المتمركزة في سوريا. وبطبيعة الحال، أيضاً، يلاقي هذا الاقتراح (الذي لم يتحوّل إلى عرض رسمي)، اعتراضاً من قوى سياسية أخرى، على رأسها تيار «المستقبل». أمام هذا الواقع، قرر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أخذ المبادرة، لمنح غطاء للجيش، يمكّنه، على قاعدة «النأي بالنفس»، من خوض معركة تحرير الجرود، «من دون الاستعانة بأحد». وهذا الـ«أحد»، يعني الجميع: من الولايات المتحدة، إلى روسيا، وسوريا، فحزب الله.


وبناءً على ذلك، وجّه عون دعوة لانعقاد المجلس الأعلى للدفاع، اليوم، لمناقشة القضايا الأمنية في البلاد، وعلى رأسها المعركة التي يستعدّ الجيش لخوضها في جرود القاع ورأس بعلبك والفاكهة والجزء الشمالي من جرود عرسال. وبحسب مصادر معنية، فإن الاجتماع سيؤكد أن باستطاعة الجيش حسم المعركة بمفرده. غير أن المجلس لن يعمد الى تحديد موعد بدء المعركة ضد داعش، وسيترك لقيادة الجيش هذا القرار.
لكن قرار المجلس الأعلى للدفاع لن يُلغي واقعة ليس بإمكان أحد التهرّب منها، مفادها أن الجيش اللبناني لن يقاتل وحده. صحيح أنه سيكون وحده المبادر على الجبهة اللبنانية، إلا أن له «شركاء إلزاميين»، على المقلب الآخر من الحدود، هم الجيش السوري وحزب الله وحلفاؤهما. وفي اللحظة التي يبدأ فيها الجيش هجومه من الجانب اللبناني، سيبدأ الجيش السوري وحزب الله والحزب السوري القومي الاجتماعي هجومهم من داخل الأراضي السورية، للإطباق على داعش من جميع الجبهات، بما يسمح بتخفيف الضغط عن جميع المهاجمين، وأولهم الجيش اللبناني. وبصرف النظر عن القرار السياسي، فإن القوى التي ستقاتل إرهابيي «داعش»، ستكون مضطرة إلى التنسيق في ما بينها.


يسعى حزب الله إلى الإسراع في عملية نقل «سرايا أهل الشام» إلى سوريا



ميدانياً، لا يزال الجيش يستقدم التعزيزات لاستكمال جاهزيته، والأهم التحضير غير المرئي الذي لا علاقة له بالعديد أو بالأمور اللوجستية والمعدات الحربية، بل يتعلق بالرصد الاستعلامي الذي يتحكم إلى درجة كبيرة بسير المعركة. أضف إلى ذلك أن قضية عناصر سرايا أهل الشام لم تحلّ بعد، إذ من المفترض خروج نحو 350 مسلحاً من عرسال الى سوريا. فبالرغم من أن الجيش تمكن من تجاوز مسلحي «السرايا»، وبات يسيطر على المنطقة الفاصلة بينهم وبين داعش، بحيث لا تماسّ بينهما، ولا إمكانية تالياً لعناصر من «السرايا» للانشقاق والانضمام الى داعش، إلا أن الجيش يفضل إتمام عملية خروجهم قبيل بدء المعركة. فمن غير المضمون ضبط مجموعة من مقاتلي السرايا الذين تسببوا بسقوط عدد من شهداء حزب الله خلال معركة الجرود، وكانوا رافضين للخروج ضمن الاتفاق الذي تمّ بين الحزب والدولة السورية. لكنهم تراجعوا لاحقاً عن قرار الرفض، ووافقوا على الانسحاب ضمن المجموعة التي تأتمر بأوامر المدعو أبو طه العسّالي. وسيخرج المسلحون مع نحو 2700 مدني إلى بلدة الرحيبة في القلمون الشرقي، الى جانب 800 عائلة ستتوزع على قرى القلمون الغربي. ولا يزال حزب الله حتى الساعة يقوم بالمفاوضات مع الدولة السورية لإدخالهم، وسط تحفظ أولي من دمشق حول بعض الأسماء. ومن المنتظر في حال تذليل كل العقبات أن تبدأ عملية نقلهم من عرسال وجرودها الى سوريا في غضون 48 ساعة، في ظل سعي حزب الله إلى إتمام العملية في وقت قريب جداً.
وشهد يوم أمس تطوراً كبيراً في منطقة الجرود، تمثّل بقصف تنظيم «داعش» أطراف بلدة القاع بثماني قذائف، لم تتسبب بوقوع إصابات. وردّ الجيش بقصف مراكز «داعش» في جرود رأس بعلبك والقاع براجمات الصواريخ والمدفعية، على دفعات، كان آخرها قبيل منتصف الليل.
من جهة أخرى، عقد المجلس السياسي في «التيار الوطني الحر» اجتماعاً استثنائياً برئاسة الوزير جبران باسيل في صالون كنيسة في رأس بعلبك، صباح أمس، دعماً للجيش اللبناني. وأشار باسيل عقب الاجتماع الى أهمية «استرداد القرار السيادي اللبناني الذي كان قد غاب، حيث يخوض الجيش اللبناني معركة تحرير أراض لبنانية». وأوضح أن «الكل في المنطقة حمل سلاحه للدفاع عن كرامته وبيته وعرضه، وبدأت الحركة الشعبية بالتنامي، وأخذ حزب الله بقدراته أكثر من مبادرة وحرر أكثر من قطعة أرض ودافع عن أهل المنطقة واستمر حتى أصبح لدينا رئيس للجمهورية قوي وقائد جيش قوي وحكومة قوية ملأت الفراغ بعدما استمر العمل الطبيعي والتلقائي من قبل حزب الله والمقاومة والناس بالدفاع والتحرير. وعندما حصلت الأحداث الأخيرة، قرر الجيش بإرادته وبتشجيع من رئيس الجمهورية وموافقة الحكومة، أن يقوم بنفسه بتحرير الجرود والأرض». واستكمل باسيل جولته بزيارة بلدة القاع، حيث وضع إكليلاً من الورد على نصب شهداء القاع، معلناً عدم حاجة الدولة إلى إذن من أحد «لتحرير جرودنا من الإرهاب، ونحن مقبلون على مرحلة فيها شهداء وألم، ولكن أيضاً فيها فرح وكرامة وسيادة واستقلال بوجه احتلال تكفيري». وكان باسيل قد استهل زيارته للمنطقة بتفقد مقر قيادة اللواء التاسع للجيش اللبناني في بلدة اللبوة، واجتمع بضباطه.
في سياق آخر، وبعد تعيين مجلس الوزراء القاضي هنري خوري رئيساً لمجلس شورى الدولة خلفاً للقاضي شكري صادر، واستباقاً لدخول القرار حيز التنفيذ، تقدم القاضي شكري صادر بطلب إنهاء خدماته «لأسباب شخصية بحتة»، بحسب نص الطلب المقدم من قبله إلى وزير العدل سليم جريصاتي.