ليس صحيحاً أن تردد الجيش هو ضمانة لعدم العودة الى الانقسامات التي عاناها خلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته. وليس صحيحاً أن على قيادة الجيش مراعاة الضباط والعسكريين السنّة في هذه المعركة أو الموارنة في معركة أخرى أو الشيعة أو الدروز أو الأرثوذكس في معارك أخرى.


معركة الجيش ضد من يحتل أي شبر من مساحة الجمهورية اللبنانية غير قابلة للتردد، وهي واجب يتفوق على كل الحسابات الأخرى، مهما بلغت أهميتها ومهما قيل عن حماية تماسك المؤسسة العسكرية. وعلى الرؤساء والوزراء والنواب والزعماء الحاكمين التوقف عن إخضاع الجيش للاعتبارات السياسية والطائفية والمذهبية من خلال الغموض والتردد والحذر من قيامه بواجباته الوطنية.
الجيش مؤسسة لا تحتمل الرسائل الغامضة التي تأتيها من بعض الشركاء في الإدارة السياسية. ولا بد من أمر اليوم أن يكون واضحاً وضوح الشمس، وخصوصاً في تحديد العدو من جهة والصديق من الجهة المقابلة. لكن يبدو أن المواقف الرمادية لا تتعلق بتحديد العدو، بقدر ما تتعلق بتحديد الصديق. ولحل هذه المشكلة، لا بد من الاحتكام الى الشعب.


يبدو أن المواقف الرمادية لا تتعلق بتحديد العدو بقدر ما تتعلق بتحديد الصديق


فإذا أردنا التمسك بدولة القانون، لا بد من التأكيد أن مجلس النواب هو المؤسسة التي تمثل الشعب في نظامنا السياسي. وصحيح أن التمديد المتكرر لولاية المجلس أفقده بعضاً من شرعيته، لكن المبادئ الديموقراطية تقتضي اعتبار المجلس الذي لا يتمتع بالشرعية الكاملة أفضل من الفراغ.
أقر مجلس النواب اللبناني القانون الرقم 57 يوم 29 أيار 1991 الذي أجاز للحكومة إبرام معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين الجمهورية اللبنانية والجمهورية العربية السورية. وتنص المعاهدة على الآتي:
«تعمل الدولتان على تحقيق أعلى درجات التعاون والتنسيق بينهما في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والعلمية وغيرها بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين».
كما يقتضي القانون (المعاهدة) تشكيل «لجنة شؤون الدفاع والأمن من وزيري الدفاع والداخلية في كل من الدولتين».
وتختص لجنة شؤون الدفاع والأمن «بدراسة الوسائل الكفيلة بالحفاظ على أمن الدولتين واقتراح التدابير المشتركة للوقوف في وجه أي عدوان أو تهديد لأمنهما القومي أو أي اضطرابات تخلّ بالأمن الداخلي لأي من الدولتين».
وبالتالي، تستدعي دولة القانون تشكيل اللجنة وانعقادها فوراً نظراً إلى التهديد الذي يتعرض له أمن الدولتين. وبما أن القانون قائم، ولم تجمد مفاعيله ولم يتم إلغاؤه في مجلسَي الوزراء والنواب، فلا يحتاج وزيرا الداخلية والدفاع إلى العودة الى مجلس الوزراء لتنفيذه.
وزير الداخلية والبلديات لا يترك مناسبة إلا ويذكر خلالها بوجوب احترام القانون. فلتتحول شعاراته الى أفعال أو فليتقدم مع زملائه النواب في تياره السياسي العريض بمشروع قانون يلغي اتفاقية الأخوة والتعاون والتنسيق مع سوريا أو يجمد مفاعيلها.
أما وزير الدفاع، فلا يحق له أن يترك قيادة الجيش بلا تحديد واضح لواجب احترام القانون في إطار «الوقوف في وجه أي عدوان أو تهديد» للدولتين اللبنانية والسورية.
أم أن سياسة العهد الحالي تجيز بأن يأتي الوفاق الوطني على حساب القانون أو على حساب عمل المؤسسة العسكرية وفقاً للقانون؟
في معرض تلاوة البيان الوزاري أمام مجلس النواب، أشار رئيس مجلس الوزراء الحالي الى «اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي حفاظاً على الوطن ساحة سلام واستقرار وتلاقٍ».
فليسأل دولة الرئيس مستشاريه القانونيين عما إذا كانت معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين سوريا ولبنان تشكل جزءاً من القانون الدولي أم لا؟ وليشرح ما هي السبل القانونية لتعطيل تنفيذ المعاهدة، أو ليعترف بعدم تطبيق القانون، وبالتالي عدم الالتزام بالبيان الوزاري وبواجباته الدستورية.