كان جبران عريجي رئيساً للحزب السوري القومي الاجتماعي حين زاره وفدٌ من التيار الوطني الحر، قبل أشهر من عودة العماد ميشال عون من منفاه الفرنسي عام 2005. سُرّب الخبر إلى الإعلام، في وقت لم يكن فيه التيار العوني قد أعلن عن أي لقاء مع فريق سياسي حليف للنظام السوري. ومن حينه، بدأت العلاقة بين الاثنين، لتُستكمل تحت عباءة حزب الله، وتفاهم قوى 8 آذار، مع الإشارة إلى أنّ التعاون بين العونيين والقوميين يسبق عام 2005 بكثير.


فزمن الحرب بين الجيش اللبناني وميليشيا القوات اللبنانية، مدّت قيادة القومي في المتن الشمالي عون بالمساعدات ضدّ خصومه. وبعد الانسحاب السوري من لبنان، اقتنع القوميون بأنّ ميشال عون جُزءٌ من «قضية وطنية»، التحالف معه أساسي لمصلحة الحلف الاستراتيجي. لم يأبهوا لكون نظرة العونيين إليهم كانت دائماً بوصفهم حليفاً من الفئة الثانية. التزمت قيادة الروشة بخيارها، وصولاً إلى انتخاب عون رئيساً للجمهورية، على حساب «الحليف الثابت»، النائب سليمان فرنجية. فهل سينكسر هذا الحلف في الانتخابات النيابية في أيار 2018؟ غالبية الأحزاب والتيارات السياسية حسمت أنّ التحالفات ستكون «على القطعة»، بعد أن انتفى الخطاب السياسي الذي على أساسه كانت تُخاض الانتخابات، وباتت تتقدّم المصلحة في البحث عن تحالفات تؤمّن أكبر عدد مُمكن من النواب لكتلة نيابية ما، حتّى لو لم يكن بين القوى المُتحالفة أيّ رابط سياسي أو برنامج للمرحلة المقبلة.


الإشكالية الحقيقية بين العونيين والقوميين هي
في الدوائر حيث
لحزب الله نفوذ



خاض التيار العوني والحزب القومي معارك انتخابية معاً، وإن كان القوميون يتحدثون عن ملاحظات عدّة، تبدأ بأنّ العونيين في المتن الشمالي تركوا عام 2005 مقعداً شاغراً على لائحتهم لمصلحة النائب بيار الجميّل، ثُمّ عدم السعي لإنجاح النائب «القومي» السابق غسان الأشقر عام 2009 (رغم أن الأرقام تُظهر غياب أي «تشطيب» عوني للأشقر)، وصولاً إلى عدم تفعيل العونيين ماكينتهم الانتخابية دعماً للمُرشح «القومي» خلال انتخابات الكورة الفرعية، عام 2012. الحسابات الانتخابية، وتحالفات العونيين المُستجدة، وعلاقات «القومي» الثابتة، ربما ستفرض تباعداً انتخابياً بين قيادتي الرابية (سابقاً) والروشة. وفي تلك الحالة، التنافس سيكون فاقعاً أكثر من غيره، في دائرة الشمال الثالثة (البترون، الكورة، بشرّي، زغرتا)؛ فالحزب القومي، إذا لم تتبدل الوقائع، سيتحالف مع تيار المردة ويدعم طوني سليمان فرنجية، مواجهاً رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في عُقر داره. هذا الأمر قد يُوتّر العلاقة بين الطرفين، وينسحب سلباً على الدوائر الأخرى، كالمتن الشمالي، وعكار، والبقاع الغربي، وزحلة، وبعلبك ــ الهرمل، والنبطية ــ بنت جبيل ــ مرجعيون ــ حاصبيا. في هذه الدائرة تحديداً، ما الذي سيمنع وزير الخارجية من ردّ الصاع لقيادة القومي التي حرمته من أصواتها في الدائرة التي سيترشح عنها، ويُرشّح التيار العوني شخصاً بوجه النائب (والرئيس السابق لـ«القومي» وأحد أبرز قياداته) أسعد حردان؟
تبدأ مصادر في تكتّل التغيير والإصلاح حديثها بأنّ الاحتكاك بين «التيار» والحزب القومي هو في الكورة، والمتن، وبعلبك ــ الهرمل، والنبطية ــ بنت جبيل ــ مرجعيون ــ حاصبيا. «قاعدة القوميين الأساسية هي في الكورة والمتن». في حال تحالف تيار المردة مع القوات اللبنانية في دائرة الشمال الثالثة، «من الممكن أن نكون حينها مع القومي». وفي هذا الإطار يتحدّث مقرّبون من رئيس تيار المردة سليمان فرنجية عن كون القومي سيكون حتماً في صف التيار الوطني الحر في دائرة الشمال. ويلفت هؤلاء إلى كون هذا السيناريو لمصلحة القومي والمردة معاً، لأنه سيتيح لهم التنافس على مقعدين في الكورة بدل التنافس على مقعد واحد فيما لو كانا معاً. وتلفت مصادر في فريق 8 آذار إلى أن التقارب بين المردة والقوات، ولو لم يتحوّل إلى تحالف انتخابي، سيباعد بين المردة والقومي.
أما دائرة المتن، فترى مصادر العونيين أنها «المكان الحقيقي لقياس قوة التحالف مع القومي من عدمه. قد يكون المخرج ترشيح شخص كفادي عبود، مقبول من القاعدتين». الإشكالية الحقيقية، التي تتحدث عنها المصادر العونية، «هي في الدوائر حيث لحزب الله نفوذ قوي. لا الحزب حسم كيفية مقاربته لملف الانتخابات، ولا نحن وضعنا نظرتنا النهائية أيضاً». ولكن مواجهة القوميين في مرجعيون «تعني الاصطدام مع حزب الله، فهل سنأخذ هذا القرار؟»، تسأل مصادر عونية نيابية، مُستبعدةً ذلك لأنّ «الاتجاه العام أن نكون مع حزب الله على لوائح واحدة. الأرجح أن لا نُرشّح أحداً».
الحزب القومي أيضاً لم ينتهِ من تحديد خياراته الانتخابية، «ولن تتضح الصورة قبل نهاية السنة»، كما يُشير رئيس الحزب الوزير علي قانصو، مؤكداً أن «لدينا حلفاء ثابتين، وبإمكاننا أن نلعب دوراً، عسانا نتمكن من خلق مساحة تحاور بين التيار الوطني الحر وتيار المردة، فنكون معاً». القانون الجديد «فرض تكتيكات مختلفة؛ مُمكن أن يتوزع الحلفاء على أكثر من لائحة، خلافاً للتحالفات التقليدية». يقول قانصو إنّ الحزب القومي وغيره من القوى «ستتحالف على القطعة، لأن لكل دائرة خصوصيتها. الأمر بحاجة إلى حوار مع الجميع».
تقدّم بأوراق ترشّحه إلى الانتخابات داخل الحزب القومي «أكثر من 45 مُرشّحاً. سيكون لنا مُرشحون في دوائر بنت جبيل ــ النبطية ــ مرجعيون ــ حاصبيا، بعلبك ــ الهرمل، المتن الشمالي، الكورة، عكار، عاليه ــ الشوف. وندرس ترشيح أحد الرفقاء أو الأصدقاء في بعبدا». أما في دائرتَي زحلة وراشيا ــ البقاع الغربي، «فلدينا كتلة ناخبة، ندرس كيفية الاستفادة منها».
ماذا عن التيار الوطني الحر؟ «هناك ثوابت مُشتركة: اقتصاد الإنتاج، المقاومة، العلاقة مع سوريا، الدولة المدنية...». هذه النقاط، تعلو فوق أيّ حرج قد يُشكّله التباعد الانتخابي. وحتى مواجهة «القومي» لجبران باسيل في دائرته الأم لن تنعكس سلباً على دوائر أخرى. أولاً، لأن التحالفات ستكون بحسب خصوصية كل دائرة. وثانياً، يقول قانصو، «سمعنا من التيار، أنّه تقديراً للعلاقة الممتازة معنا، لن يُرشّحوا أحداً ضدّ أسعد حردان».