الرذاذ المتطاير من «البحرة» الدمشقية في بهو فندق الشام الكبير، يكسر حرّ دمشق الجاف، ويحيله نسيماً لطيفاً قبل المغيب بقليل. يضجّ الصرح الأثريّ بالحاضرين، لبنانيين وعرباً وصينيين وروساً وأوروبيين. وديوان الشرف بأثاثه التراثي الثمين، يتّسع للوزيرين غازي زعيتر وحسين الحاج حسن لاجتماعهما المقتضب مع وزير الاقتصاد السوري محمد الخليل ومحافظ ريف دمشق علاء إبراهيم.


الحاضرون الأجانب والعرب من الدول الصديقة لسوريا في الفندق، والآتون للمشاركة في معرض دمشق الدولي، في كفّة، والوزيران اللبنانيان والوفد المرافق لهما في كفّة أخرى. منذ شقّ موكب الوزيرين طريقه من المصنع اللبناني إلى معبر جديدة يابوس الحدودي بعد ظهر الأربعاء، بدا الاهتمام السوري بالزيارة الرسمية اللبنانية على قدر التوتّر الذي يصيب بقايا ما كان يسمّى فريق 14 آذار في لبنان جراءها. إنها «منازعة» مشروع فاشل، وقيامة مشروع لا يموت، اسمه وحدة المسار والمصير بين لبنان وسوريا.
في الطريق من شتورا إلى المصنع، أكثر من دلالةٍ على قحطٍ أصاب البلاد منذ اندلاع الأزمة السورية. شريانٌ من الحياة قَطَّعَت أوصاله كرياتُ دمٍ متخثّر، لم تُبْنَ سوى على الحقد والارتهان لقرار خارجي، بقطع علاقة اللبنانيين بسوريا، دولة وشعباً وتاريخاً. هنا، كان سهل البقاع الملوّن يضجّ بالداخلين والخارجين إلى برّ الشام، تجّاراً ومزارعين وعمّالاً، وأصحاب مصالح لا يمكن أن تستمر من دون الارتباط بسوريا.
الساكن في معراب، طبعاً، بعيدٌ عن خط شتورا ـــ المصنع، ولا تعنيه أحوال مئات المتاجر والمحال وآلاف المزارعين والمشاريع الزراعية المتضررة، بقدر ما يعنيه الغناء في «أوركسترا مقاطعة سوريا»، المنتهية الصلاحية والوظيفة. أما الذين يكتبون التقارير لـ«بيت الوسط»، عن البقاع الأوسط والغربي، فربما ينسون أن يذكروا حال أهلهم وأقاربهم، والخسائر التي يتكبّدونها، مذ قرّر جزء من اللبنانيين «التخبيص» في الدم السوري ربيع 2011، وقبله وبعده، بالانخراط في مخطّط عزل الشام عن البحر، من بيروت وحمص. كلا المخططين تخطّاهما الزمن.

المعاهدة جزء من «الطائف»

استقبال رسمي على الحدود، بكلّ ما للكلمة من معنى. وزير الاقتصاد السوري ومحافظ ريف دمشق، والأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني ــ السوري نصري خوري ومدير العلاقات العامة في المجلس أحمد الحاج، أعدّوا لاستقبال الضيوف/ أهل البيت جيّداً: الراية السورية في قاعة صالون الشرف، مؤتمر صحافي مشترك، ومرافقة حكومية سورية رسمية. أمّا زعيتر والحاج حسن، فلم يعلنا موقف عشيرتيهما أو حزبيهما أو منطقتيهما، بل طرحا مواقف تخصّ كل لبناني، تاجراً ومزارعاً ومستهلكاً، ومواطناً، ولو كان متأثراً بجوقة المحرّضين. الذين يقولون إن الوزيرين ذهبا بصفة شخصيّة، يقولون رأياً وموقفاً شخصيّاً ليس أكثر. أصلاً، معاهدة الأخوّة والتعاون بين لبنان وسوريا التي دخلت حيّز التنفيذ في عام 1994، جزء من اتفاق الطائف اللبناني، وحظيت برعاية الدول الخمس الكبرى ودول الإقليم. وهي أقوى من القانون في البلدين، وليس على ذوق أي من البلدين فضّها وحده.

الموز والبطاطا... و500 ميغاواط

من شبّاك مكتب وزير الاقتصاد، يظهر جزء من تمثال وزير الدفاع السوري الشهيد يوسف العظمة، شامخاً في وسط ساحة الجلاء. استشهد العظمة على رأس جيشه الصغير في ميسلون، أمام جحافل الفرنسيين الآتين لاحتلال دمشق... من لبنان، خاصرة سوريا، «الضعيفة»، حتى أمدٍ غير بعيد. تغيّر الزمن. لبنان لا يزال خاصرة، لكن قويّة، هزمت إسرائيل وحمت سوريا من الغرب، في اللحظة المناسبة، على الرغم من تورّط أصحاب الرهانات الفاشلة.


المعاهدات بين لبنان
وسوريا أقوى من القانون
في البلدين معاً


في اجتماعه القصير صباح أمس، انتزع زعيتر من وزير الاقتصاد ومن يُمثّل، برضاه طبعاً، شبه تعهّد بالسماح للموز اللبناني بالدخول إلى السوق السورية. لم يسأل الخليل إن كان المزارعون 8 أو 14 آذار، المهم أنهم لبنانيون. قبل أشهر، طلب الرئيس نبيه بري الطلب نفسه وناله مزارعو الموز. زعيتر طلب أكثر الآن، قال لوزير الاقتصاد إن مزارعي عكّار وسهل البقاع يعانون من تصريف البطاطا. أكثر من مئة ألف طنّ تنتج في عكّار بداية الصيف، ثمّ مثلها أو أقل في البقاع بعد شهر ونصف، تعاني من الكساد. قال الوزير السوري «تكرموا، وغيرو؟». وفي الجلسة نفسها، سئل الخليل عن معبر نصيب، وإعادة فتح طريق دمشق ــ درعا ــ عمّان. الحاجة الأردنية أكثر من اللبنانية. وحاجة الكيانين أكثر من حاجة سوريا نفسها لفتح هذا الشريان. الأردنيون تعلّموا الدرس، وفهموا أخيراً أن العبث بالأمن السوري عبثٌ بأمن الأردن واقتصاده... ومستقبله. قال الوزير إن «الطريق سيفتح قريباً». هذا يعني عودة الترانزيت البرّي. ردّ زعيتر بأن هذا يخفّف عبء دعم النقل البحري عن كاهل الخزينة اللبنانية. في الحسابات، كلفة «الكونتينر» المنقول بحراً من بيروت إلى الخليج حوالى 8 آلاف دولار، أمّا برّاً، فلا تتجاوز 2800 دولار. الحاج حسن بدوره التقى وزير الاقتصاد ونظيره السوري، ومعه وفد من الصناعيين الذين وُعدوا خيراً.
أمّا المفاجأة الكبرى للبنانيين، فكان صاحبها رئيس الحكومة الدكتور عماد خميس. قال خميس لزعيتر: كم ستدفعون ثمن الميغاواط من بواخر الكهرباء؟ اعملوا حساباتكم، وخذوا 500 ميغاواط بأسعار أقل. سوريا، بعد سبع سنوات من الحرب الطاحنة، وتدمير آبار نفطها وغازها ومعاملها وشبكة كهربائها، لا يزال عندها القدرة على تزويد لبنان بهذا الكمّ من الكهرباء. ولبنان، «الشقيق»، يلهث وراء بواخر تركية، مثل السمك في البحر، حرفيّاً.
بعد ظهر أمس، وصل وزير الأشغال اللبناني يوسف فنيانوس إلى سوريا للمشاركة في المعرض الذي افتتح مساء أمس في مدينة المعارض، في ريف دمشق الجنوبي الشرقي. على جدول أعمال فنيانوس لقاءان اليوم. وحده وزير الاقتصاد رائد خوري غاب عن الزيارة كما كان مقرّراً. قيل إن الرئيس ميشال عون لا يريد أن يكسر الجرّة مع الرئيس سعد الحريري. للأمانة، موقف الحريري مقبول. هو لا يزال يكابر، ربطاً بالموقف السعودي ــ الأميركي العلني في مقاطعة سوريا، لكنّ سقف اعتراضه وصل حدّ أن أخذ على خاطره من الزيارات، فطلب شطبها من محضر مجلس الوزراء. لو كان باستطاعته أن يقول للوزراء «اذهبوا ولا تخبروني»، كما يفعل مع غيرهم، لفعل. لكنّ حلفاء سوريا أرادوا زيارة علنية، لدلالاتها السياسية والتاريخية الكبيرة. هي إعلان انتصار لبناني ــ سوري على الإرهاب والقطيعة من نوعٍ آخر، تماماً كما هي إعادة تنظيم معرض دمشق الدولي، وردٌّ عملي على الداعين إلى توسيع القرار 1701 ليطال الحدود اللبنانية ــ السورية. وليفعل الفريق المعترض «ما بوسعه». فلا أحد يقلب الطاولة على نفسه، خصوصاً إذا كانت طاولة حكومته. إلّا إذا كانت مجاراة الموقفين السعودي والأميركي، العلنيين طبعاً، تستأهل استمرار إعاقة مصالح لبنان واللبنانيين، التي كانت دائماً تفوق مصلحة سوريا، في أيّ اتفاقية أو معاهدة، منذ اتفاقية فصل المصالح بين البلدين في خمسينيات القرن الماضي.