للمرة الأولى منذ تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري، يظهر تيار المستقبل والتيار الوطني الحر أنهما ليسا على تناغم كامل. فقد شهدت جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت في قصر بعبدا أمس 4 «مشادات» بين وزراء التيارين. الأولى بين الوزيرين جبران باسيل ومحمد كبارة حول ملف المنطقة الاقتصادية في طرابلس.


والثانية بين باسيل والوزير جمال الجراح بشأن ملف الاتصالات. والثالثة بين الوزيرين سيزار أبي خليل ومعين المرعبي على ملف الكهرباء. والأخيرة بين أبي خليل والوزير نهاد المشنوق، لكن بهدوء، على ملف استئجار البواخر. وانتهى الملف الأخير بـ«انتكاسة جزئية» للتيار الوطني؛ فبعد كباش استمر أشهراً، قرّرت الحكومة إلغاء مناقصة الكهرباء القديمة، وإجراء مناقصة جديدة عبر إدارة المناقصات، لكن مع عدم إدخال تعديلات جدية على دفتر الشروط، وتسريع في آلية استدراج العروض وفضّها، بما يحول دون إضاعة الوقت. وفيما كان وزير الطاقة سيزار أبي خليل أشد المتمسكين بحق مؤسسة كهرباء لبنان في تنفيذ المناقصة، فوجئ مجلس الوزراء بطلب أبي خليل الشفهي إلغاء المناقصة السابقة، رغم أنه اقترح خطياً تشكيل لجنة وزارية لفض العروض. واعتبرت المصادر أن هذا السلوك المفاجئ يشي بأن هناك تسوية دفعت الجميع الى القبول بمبدأ إعادة استدراج عروض استقدام المعامل العائمة بعدما أقنعهم وزير الطاقة بأنه لا توجد مواقع على اليابسة جاهزة لإطلاق مناقصة معامل ثابتة، وأن «ما يعزز إمكانية حصول التسوية أنه لم تكن هناك اعتراضات جدية على اقتراح ابي خليل الذي يكاد يكون عملية استكمال للاستدراج السابق»، بحسب مصادر وزارية. ورأت المصادر أن «المشكلة تكمن في أن غالبية الشروط الأساسية كانت ستؤدي إلى فوز شركة محددة، لا سيما لجهة اشتراط أن تكون المولّدات جديدة. فمن هي الشركة التي ستتمكن من تجهيز باخرة بمولّدات في غضون تسعين يوماً»؟ أضافت المصادر: «كان الأجدى عدم تحويل إدارة المناقصات الى مكتب بريد يقتصر عمله على فض العروض، وبالتالي ما هو الفرق بين استدراج العروض السابق والجديد سوى تلك المسألة المتعلقة بتشديد الغرامات والكفالة، فيما الشروط الفنية الأساسية لا تزال على سابق عهدها»؟. وبحسب مداولات الوزراء، بدا واضحاً أن كل الحلول التي تقدم ستناقش على قاعدة ان الدولة هي التي تشتري الوقود للمعامل على البواخر، وبالتالي فإن الحل الوحيد المطروح هو الفيول أويل الملوث للبيئة، لأنه المادة الوحيدة التي تشتريها الدولة بواسطة عقود مباشرة مع الكويت والجزائر، وهي عقود بأسعار مرتفعة قياساً بالأسعار العالمية المتدنية، فلماذا يرفض وجود معامل تعمل بواسطة الغاز المنزلي الأقل كلفة والذي يمكن تخزينه على طول الشاطئ اللبناني في خزانات مملوكة من الدولة اللبنانية ومؤجرة بشكل شبه مجاني لشركات خاصة؟


خروج وزير الاتصالات
من الجلسة جاء رداً
على رفض الحريري إعطاءه السلفة



في مجلس الوزراء، وقبل طلب أبي خليل إلغاء المناقصة السابقة، ظهر انقسام حقيقي طرفاه التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية من جهة، وباقي مكونات مجلس الوزراء من جهة أخرى، إذ اعتبر باسيل أن «من حق وزارة الطاقة إجراء المناقصة»، وأنه لا يرى سبباً لإلغائها. بدوره، اعتبر وزير الداخلية أن «صورة ملف الكهرباء عند الناس ليست جيدة، ولا يمكن أن نتجاهل الرأي العام، بل من الضروري أن نشرح له الواقع بشكل دقيق، وأن نبرّر له أسباب اللجوء الى هذه الخيارات». وطرح المشنوق في الجلسة أن «يتمّ تأمين 400 ميغاوات عن طريق البواخر، وما تبقى نؤمّنه من خلال المعامل على الأرض». فأجابه وزير الطاقة بـ«أننا لا نملك ارضاً لإنشاء معامل، وفي حال قرّرنا شراء عقارات كبيرة ستصبح الكلفة أكبر من كلفة البواخر». وأضاف «أن الخيار الأفضل هو تأمين الكهرباء عبر البواخر». وفي وقت أيّد فيه باسيل كلام المشنوق بأن «صورة هذا الملف سيئة»، رأى أن «بعض من هم في مجلس الوزراء هم الذي ساهموا في أن تكون كذلك». فردّ المشنوق «بصرف النظر، لا بد من توضيح ما يحصل، خصوصاً أن ما قاله وزير الطاقة مقنع». وبحسب مصادر وزارية «كان الحريري قد تحدّث إلى وزير المال علي حسن خليل قبل الجلسة لإيجاد مخرج، وسار بخيار إلغاء المناقصة»، ما دفع باسيل إلى الردّ من جديد قائلاً «إجراء مناقصة جديدة يمكن أن يعيدنا الى المكان ذاته، وعلينا الاتفاق، فإما أننا نريد أن نأتي بالكهرباء أو لا نريد»، فتدخّل الرئيس عون لافتاً إلى أنه مع «التفاوض على عرض البواخر من دون العودة إلى إجراء مناقصة من جديد». غير أن معارضة الجميع أدت في النهاية إلى الاتفاق على وضع دفتر شروط جديد، على أن «يعده وزير الطاقة ويعيد طرحه على مجلس الوزراء». وكلّفت إدارة المناقصات إطلاق استدراج العروض، مع إعطاء الشركات التي ترغب في المشاركة مهلة أسبوعين لتقديم عروضها، والالتزام بمهلة 10 أيام لفضّ العروض وعرض نتيجتها على مجلس الوزراء في ما بعد، وتشكيل وزير الطاقة لجنة تقنية لدرس العروض الإدارية والمالية وتقييمها مع إدارة المناقصات. لكن وزراء حركة أمل تحفّظوا على المهل، إذ لا يُمكن أن يتمّ تجهيز دفتر الشروط واستدراج العروض وعرضها على إدارة المناقصات في فترة زمنية قصيرة. كذلك تقرّر إضافة «بند يقضي بتغريم الشركة 50 مليون دولار ضمانة تنفيذ عن كل باخرة، وفي حال كان هناك ملاحظات أخرى تضاف الى دفتر الشروط بعد الانتهاء منه». وبحسب المصادر، طالب وزير القوات غسان حاصباني باعتماد صيغة ضبابية لا تحسم خيار استقدام البواخر، بل تترك الأمر مفتوحاً على تقنيات أخرى.
من جهة أخرى، حصل خلاف في الجلسة على خلفية مسألة نقل اعتماد من الخزينة بقيمة 225 مليون دولار إلى هيئة «أوجيرو» لتطوير شبكة الهاتف الثابت. ونتيجة هذا الخلاف انسحب كلّ من وزير الاتصالات جمال الجراح ووزير الدولة لشؤون النازحين معين المرعبي من الجلسة، إلا أنّ الوزراء نهاد المشنوق وعلي حسن خليل ويوسف فنيانوس وجان أوغاسابيان لحقوا بهما لمحاولة إقناعهما بالعودة، ونجحوا في ذلك. وأشارت المصادر إلى أن خروج وزير الاتصالات من الجلسة جاء رداً على «رفض الرئيس الحريري إعطاءه السلفة وربط الأمر بإقرار الموازنة التي لا تزال قيد الدرس»، وخاصة أن الجراح يطلب السلفة بناءً على مشروع موازنة لم تُقر، بل تدرسه لجنة المال والموازنة. وأكّد وزير المال «عدم وجود أي تبرير للسلفة، فهناك مشروع موازنة يجري بحثه في مجلس النواب، وبالتالي لا داعي لإعطاء السلفة بصورة مخالفة للقانون والدستور».