في 17/8/2017، اضطر نقيب المهندسين في بيروت، جاد تابت، إلى الرد على محافظ بيروت، القاضي زياد شبيب، في كتاب وجهه إلى وزير الدولة لمكافحة الفساد نقولا تويني. هذا الكتاب يأتي تأكيداً لمضمون تقريره السابق الذي كشف فيه عن 8 مخالفات أساسية مرتكبة في مشروع «إيدن باي» على شاطئ الرملة البيضاء، أسفرت عن تعديات واضحة على الأملاك العمومية البحرية وزيادة غير مبررة بمقدار 5251 متراً مربعاً عن المساحات المبنية التي يجيزها القانون.


ردّ تابت في كتابه على ما أورده شبيب في مقابلته على شاشة otv في 10/8/2017، إذ إن شبيب لم يفنّد المخالفات الثماني التي ينطوي عليها المشروع، والموثقة في تقرير تابت، بل تعمد التشكيك بصدقية التقرير، مكرراً أن لا مخالفات في المشروع، وأن المشروع قانوني مئة في المئة.
المفارقة أن ردّ شبيب على التقرير جاء عبر الشاشة المحسوبة على رئيس الجمهورية، ميشال عون، علماً أن تابت وضع تقريره الأول بناءً على طلب عون نفسه، الذي أوعز إلى الوزير تويني متابعة القضية بعد ورود شكاوى كثيرة من المخالفات المرتكبة، ولا سيما شكاوى أصحاب العقارات المجاورة للمشروع.
يقول المحافظ شبيب في مقابلته إنه زود تابت بالعديد من المعطيات، ولكنه بنى عليها «نتائج قانونية ليست في محلها». يردّ تابت في كتابه الجديد على ادعاءات شبيب، موضحاً أنه لم يكتفِ بالمعطيات التي زوده بها المحافظ، بل استحصل أيضاً على وثائق أساسية أخرى من التنظيم المدني والدوائر العقارية ووزارة الأشغال ووزارة البيئة والشؤون الجغرافية للجيش اللبناني... «ما سمح لي بأن أُعدّ تقريري على أساسها».
يلفت تابت إلى أن شبيب «لم يرَ ضرورة للنظر في المخالفات الثماني... إذ اكتفى في جوابه المتلفز بإبراز خريطة واحدة تطرّق من خلالها إلى موضوع الطبقات السفلية وموضوع الارتفاع الأقصى للبناء». ويكشف تابت في هذا السياق «أن هذه الخريطة ليست مطابقة لخرائط رخصة البناء التي سلّمني إياها المحافظ، كذلك لا علاقة لها بحقيقة البناء كما نفّذ على الأرض، ولا يسعني إلا أن أتساءل عن مصدر هذه الخريطة والسبب الذي دعا المحافظ إلى إبرازها بدلاً من إبراز الخرائط التي أُعطيت على أساسها رخصة البناء»!
فبناءً على هذه الخريطة، يقول تابت في كتابه: «يبين محافظ بيروت مستوى الأرض الطبيعية مرتفعاً 7.10 أمتار فوق مستوى البحر، وهو ما استندت إليه بلدية بيروت لتحديد الطبقات التي اعتبرتها سفلية ولم تدخلها في حساب المساحات المبنية. إلا أن المستندات التي استحصلت عليها من الشؤون الجغرافية للجيش اللبناني قد بينت أن الأسس التي ارتكزت عليها البلدية لتحديد الطبقات السفلية خاطئة بالأساس، إذ إن المستوى الفعلي للأرض الطبيعية في قسم كبير من العقار لا يتعدى ارتفاعه 1.40 متر عن مستوى البحر». وأبدى تابت استغرابه من «إصرار المحافظ على التمسك بالشقلات الخاطئة التي سلمه إياها صاحب المشروع ضمن ملف طلب الرخصة بدلاً من اعتماد الشقلات الحقيقية التي حددتها الشؤون الجغرافية للجيش اللبناني، والتي أظهرتها في تقريري».
بحسب كتاب تابت، «تترتب على هذا الأمر نتائج خطيرة، إذ إن اعتماد المستويات التي حددتها الشؤون الجغرافية للجيش اللبناني من شأنه أن يثبت مخالفة المشروع بمساحات إضافية تزيد بمقدار 4218 متراً مربعاً عمّا هو مسموح حسب نظام المنطقة، كذلك يثبت أن المساحة المرخصة قد تجاوزت مساحة الاستثمار السطحي التي حددها القانون بثلاثة أضعاف تقريباً»!
آثر محافظ بيروت تمويه هذه الوقائع في مقابلته بالقول إنه «ليس هناك أمتار استثمار غير مسموح بها». يقول كتاب تابت إن «المحافظ لم يكترث ببقية المخالفات التي بينتها في تقرير، والتي أكّدتها من خلال ضم وثائق ثبوتية لا مجال للشك في صحتها»، وهي بحسب التقرير تنطوي على 8 مخالفات أساسية: عدّد تابت في تقريره ثماني مخالفات ثابتة، هي:
1- عدم قانونية ضمّ العقارات 3689 و3690 و3691 و3692 من منطقة المصيطبة العقارية، لتشكيل العقار رقم 3689، لكون الصحائف العقارية العائدة للعقارين 3691 و3692 تتضمّن إشارة «مرتفق بحق عدم البناء»، في حين أن العقارين 3689 و3690 ليسا مرتفقين بهذا الحق، وتالياً ضمّهم بعقار واحد، مخالف للمذكرة الإدارية 1/1991 حول ضم العقارات والوحدة العقارية، التي تنص على أن «ضم عقارين أو أكثر إلى بعضهما لتصبح عقاراً واحداً يستوجب أن تكون العقارات متجانسة ومتلاصقة ولنفس المالك، وأن تكون من نوع شرعي واحد وفي منطقة عقارية واحدة وبنفس حقوق الانتفاع والارتفاق العقاري».
2- عدم قانونية شطب إشارة عدم البناء على العقارات بعد ضمّها في عقار واحد، والتي أجاز بها محافظ مدينة بيروت السابق، ناصيف قالوش، في كتابه رقم 11424 المرسل إلى أمين السجل العقاري في 6/6/2012، في مخالفة للقانون، لكون هذه الإشارة ناتجة من ارتفاق حاصل بموجب عقد المقاسمة والفرز للعقارات الأساسية، وتالياً لا يحق لمحافظ بيروت إقرار هذا الشطب دون قرار قضائي بهذا الخصوص.
3- عدم قانونية رخصة البناء الممنوحة للمشروع على العقار 3689 لاستنادها إلى شقلات خاطئة (...) إضافة إلى أن المشروع يتعدّى الاستثمار السطحي الأقصى المسموح به في المنطقة والمحدّد بـ30% من مساحة العقار بثلاثة أضعاف، أي بقدر مساحة الطبقة السفليّة البالغة 4218 متراً، ولا يتقيّد بالتراجع المفروض عن حدود العقار رقم 2231 المجاور، علماً أن هذه المساحة الإضافية غير القانونية توازي مساحة أكثر من خمس طبقات علوية.


قسم كبير من
العقار لا يتعدى ارتفاعه 1.40 متر
عن مستوى البحر وليس 7.10 أمتار

4- مخالفة رخصة البناء القرار 144/س الصادر عام 1925 والمتعلّق بتنظيم الأملاك العمومية، والمرسوم 4810/1966 المتعلق بإشغال الأملاك البحرية، لتضمّنها تعدياً واضحاً على الأملاك البحرية العمومية، بحسب الخرائط المبرزة في ملف طالب الرخصة، والتي تتضمّن أعمالاً خارج حدود العقار 3689 ضمن الأملاك العمومية، كردم البحر وإقامة جلول ومنحدرات، تمتدّ على ما يقارب 30 متراً على الأملاك العمومية وعلى امتداد طول العقار، دون الحصول على أي ترخيص خاص واستثنائي، وكأن الشركة تتعامل مع الأملاك العمومية باعتبارها امتداداً لأملاكها الخاصة.
5- مخالفة رخصة البناء على العقار 3689 للمرسوم رقم 2366/2009 المتعلق بترتيب الأراضي اللبنانية، والذي صنّف الشواطئ الرملية ضمن الأملاك العمومية وجعلها مفتوحة للعموم، كذلك اعتبر كلاً من الواجهة البحرية في عين المريسة وصخرة الروشة وخليجها الصغير وشاطئ الرملة البيضاء، مواقع مميزة في بيروت تستوجب حماية خصائصها الطبيعية من المشاريع العقارية والإنشائية التي قد تشوه معالمها. وتالياً إن عدم مراعاة الرخصة لهذه الخصائص يستوجب إبطالها.
6- مخالفة قانون حماية البيئة 444/2002، والمرسوم 8633/2012 لجهة عدم استحصال المشروع على دراسة الأثر البيئي، خصوصاً أن الدراسة المرفقة بملف الرخصة والمنجزة في عام 2013 هي لمشروع قديم ومختلف كانت شركة أخرى (إيدن روك وليس إيدن باي) تنوي تشييده على العقارات 3687 و3689 بمساحة تبلغ نحو 23 ألف متر مربع. كذلك إن الأخذ بالدراسة القديمة باطل، لكون دراسة تقييم الأثر البيئي تبقى صالحة لمدّة سنتين إن لم يُباشَر بالمشروع، فيما رخصة البناء الأولى للمشروع الراهن استُحصِل عليها في عام 2016.
7- تعدي البناء قيد التنفيذ على الأملاك العمومية، بحسب ما تظهر الصور الملتقطة له بعد المباشرة في التنفيذ، والتي تبيّن أعمال الحفر والردم ضمن هذه الأملاك، خلافاً لكتاب المديرية العامة للنقل البري والبحري رقم 1123/6 الموجه إلى الشركة في آذار الماضي، والذي ينص على «عدم جواز التعدي على الأملاك العمومية المتاخمة للعقار، وإلّا وجب توقيف الأعمال فوراً وإلغاء الموافقة عليها ووضع إشارة على العقار، وملاحقة الشركة جزائياً». علماً أن نتيجة هذه الأعمال، باتت الطبقتان السفليان الأولى والثانية مكشوفتين، بما لا يسمح بردم الطبقة السفليّة الأولى كما هو مبيّن في رخصة البناء، لكون جدارها مقاماً من حجر الخفّان ومستوى الأرض الطبيعيّة في العقارات المتاخمة لا تسمح بذلك، ما يعني دخول هذه الطبقة ضمن حساب مساحات الاستثمار، لكون صاحب المشروع يريد الحفاظ عليها مكشوفة من جهة البحر لإقامة شاليهات أسوة بالطبقات العلوية.
8- يتبيّن من أوراق الترخيص أن البناء موجود على وحدة غير قابلة للتجزئة للعقارين رقم 3687 و3689، الأمر الذي دفع البلدية إلى التعامل مع الوحدة العقارية وكأنها عقار واحد، مع ما يستتبع ذلك من منافع إضافية وفق قانون البناء، إلّا أن مالكي العقار أزالوا الوحدة العقارية بموجب عقد مؤرخ في 24/11/2016 وتم ترقين الوحدة العقارية في 13/1/2017، ما يعني أن الشركة تعمّدت إخفاء هذه المعلومة، وهو ما يشكّل سبباً لإبطال الترخيص لكونه أدى إلى زيادة عامل الاستثمار بنسبة 20%.
وخلص تقرير تابت إلى «أن مساحة البناء في المشروع تتخطّى المساحة المسموحة وفقاً لمعدل الاستثمار العام المحدّد للمنطقة، إذ اكتسب نحو 4218 متراً مربعاً من الطبقة السفليّة الأولى المكشوفة، و1033 متراً مربعاً من الوحدة العقارية، أي ما مجموعه 5251 متراً مربعاً، ونتيجة ذلك بنى أكثر من ضعفي مساحات البناء القانونية المسموحة في المنطقة، خلافاً لشروط التنظيم المدني والإدارة السليمة للأراضي الوطنية».




يجب إزالة 5 طبقات

يقول نقيب المهندسين في بيروت جاد تابت، في اتصال مع «الأخبار» إنه «إذا أردنا تطبيق القانون يفترض التخلص من نحو 5 طبقات علوية من مبنى الإيدن باي، التي توازي هذه المساحة الإضافية غير القانونية»! ويستغرب تابت «كيف لشبيب الذي يعتلي منصب محافظ مدينة بيروت ألّا يتكلف عناء زيارة الموقع على الأرض ومقارنته مع الخريطة التي أبرزها والتي لا تشبه ما بُني على شاطئ الرملة البيضاء أبداً، فيسمح لنفسه بإنهاء المقابلة عبر التأكيد أن هذا المشروع قد يكون المشروع الوحيد القانوني في تاريخ الإدارة على شاطئ بيروت». هذه الجملة الأخيرة بمثابة فضيحة ومحاولة واضحة للتستر على مخالفات قانونية موثقة في مشروع بناء الإيدن باي.