يحتاج هذا التيليسكوب إلى صمت راديوي في محيطه لمسافة 5 كم من كل الاتجاهات، فهو ليس تيليسكوباً بصرياً يرصد الفضاء من خلال عدساته، بل هو تيليسكوب يعمل على استقبال موجات الراديو، لذلك توجّب وضعه على قمة جبل في منطقة بعيدة عن الضجيج اللاسلكي وموجات الراديو، ما أجبر آلاف سكان القرى الواقعة على الجبل على مغادرة قراهم وإعادة بناء حياتهم في أماكن أخرى، وقد رصدت الحكومة الصينية مبلغاً قدره 269 مليون دولار قامت من خلاله بشراء البيوت ودفع تعويضات لهؤلاء السكان.


مثل باقي التيليسكوبات الراديوية في العالم سيدرس FAST، وهو اختصار لـ Five-hundred-meter Aperture Spherical Telescope، الجزيئات بين النجوم والمرتبطة بعملية تطوّر المجرات، ولكن بقدرة وفعالية أكبر. على سبيل المثال قام (Very Large Array)، وهو عبارة عن مجموعة هوائيات راديو موجودة في الولايات المتحدة الأميركية في صحراء نيو مكسيكو، بالتقاط انبعاث لموجة راديو خافتة من الهيدروجين الذري في مجرة تبعد 5 مليارات سنة ضوئية (السنة الضوئية، هي مقياس مسافة وليس وقت، أي المسافة التي يقطعها الضوء بسرعة 299 792 458 متراً في الثانية الواحدة خلال سنة)، وأوضح العلماء أن وجود تيليسكوبات فائقة مثل FAST سيبني على هذا الاكتشاف لفهم كيف تتصرف الغازات في المجرات.
وفقاً لموقع www.Phys.org إن الهدف الأسمى لهذا التيليسكوب هو اكتشاف القوانين التي طورت الكون الذي نعيش فيه، ولكن مهام FAST لن تنحصر في ما سبق، بل سيكون له دور في الاستماع الى إشارات من داخل المجرات خلال عملية بحثه عن حياة ذكية خارج كوكب الأرض، ونظرياً إذا كان هناك من حضارة ما في الفضاء الخارجي فإن موجات الراديو الصادرة عنها ستكون مشابهة للموجات التي يستطيع FAST استقبالها.


هناك 40 عالم فلك فقط
في العالم ممن يمتلكون الكفاءات المطلوبة


في مقابلة على شاشة ال بي بي سي مع نائب مدير المشروع، قال بنغ بو إن هذا الجهاز قد تم بناؤه خصيصاً للعلماء والخبراء الصينيين، إذ لسنوات عديدة كان على الصينيين إذا ما أرادوا مراقبة الفضاء الذهاب إلى دول أخرى، ولكن اليوم أصبح لديهم تيليسكوبهم الخاص.
ولكن المثير، حسب موقع جنوب الصين الصباحي، أن الصين تبحث عن علماء من خارج الصين ليشغلوا الوظيفة الشاغرة في التيليسكوب، فليس لدى الصين ما يكفي من العلماء الفلكيين ذوي الخبرات العالية ليعملوا في منشأة بهذا الحجم والتعقيد، وبالفعل بدأت منذ مدة الأكاديمية الصينية للعلوم بالعمل في الدول الغربية بطريقة غير معلنة لجذب الخبراء، ولكن إلى اليوم لم يتم تقديم أي طلب، يعزو القيميون ذلك الى متطلبات الوظيفة الصارمة جداً، إذ يجب على المرشّح أن يكون لديه خبرة لا تقل عن 20 عاماً في هذا الحقل، بالإضافة إلى أن يكون المرشح قد تسلم مناصب قيادية في منشآت تيليسكوبية ضخمة، وأخيراً أن يكون حائزاً على شهادة دكتوراه.
يقول ستانتزيف، وهو عالم فلك من جامعة تكساس ساهم مع فريقه باكتشاف المادة المظلمة كما كانت له مشاركة في بناء تيليسكوب ماجلان البصري العملاق في تشيلي، إن هناك نحو 40 عالم فلك فقط ممن يحظون بتلك الكفاءات المطلوبة للمنصب في تيليسكوب FAST، إذ إن عدد علماء الفلك العاملين بالتيليسكوبات الراديوية قليل جداً مقارنة بالعاملين في التيليسكوبات البصرية، وهو متأكد من أن الصين ستجد أحداً ليشغل المنصب، الا أن أغلب علماء الفلك في الولايات المتحدة الأميركية لا يرغبون في العمل في الخارج، على الرغم من الراتب المغري الذي يتم عرضه وهو مليون ومئتا ألف دولار في السنة.
تنفي الحكومة الصينية هذه القصة، وكذلك تؤكد الأكاديمية الصينية للعلوم عدم وجود أي رغبة لدى الصين بتوظيف أجنبي ليشغل منصباً كهذا، وتقول إنه تم إشغال هذا المنصب منذ افتتاح التيليسكوب عام 2016 على رغم أن أحداً لم يذكر اسم هذا العالم الفلكي "المحظوظ".
شهد البرنامج الصيني لمشاريع الفضاء خلال السنوات الماضية قفزات مهمة ومراحل تطورية ملحوظة، ولكن تبقى الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية وبقية الدول التي تشارك في محطة الفضاء الدولية تملك عقوداً من الخبرات في مشاريع ضخمة كهذه. لا شك أن الصين تتجه لأن تكون لاعباً أساسياً في هذا المجال ولكن مراكمة الخبرات لدى العلماء لديها ليكون باستطاعتهم إدارة مشاريع كهذه تحتاج إلى وقت.