تعليقاً على المقال المنشور في «الأخبار» تحت عنوان «سلامة يمنح الحريري 400 مليون دولار إضافية من المال العام» (العدد ٣٢٥٤ السبت ١٩ آب ٢٠١٧). صدر عن المكتب الإعلامي لمصرف لبنان البيان الآتي: «إن هذا المقال يجافي الحقيقة جملة وتفصيلاً، ويفتقر بكل أسف إلى الحد الأدنى من المعايير المهنية والأخلاق الإعلامية.


وسوف يتخذ مصرف لبنان الإجراءات القانونية المناسبة لرفع الضرر عن سمعة المصرف المركزي ودوره وعن لبنان».

■ ■ ■


وطلب المحامي عارف منيمنة، بالوكالة عن بنك البحر المتوسط ش. م. ل. نشر الرد الآتي: «تُمعِن جريدة الأخبار السياسيّة منذ فترة من الزمن، حين يتناول أي شأن بنك البحر المتوسط، في تحوير مجريات مصرفيّة مألوفة بين مصرف وسلطاته المصرفيّة للنيل من سمعة دولة رئيس مجلس الوزراء كونه أحد مساهمي البنك، والمسّ بمهنيّة سعادة حاكم مصرف لبنان بغية ممارسة ضغوط لمآرب معروفة.
إن هذه اللعبة الإعلاميّة باتت مكشوفة للجميع، لكنها من حيث تدري وتبغي، تخاطر في حال الوطن والمواطن سياسياً واقتصادياً ومالياً، وتضرّ مجّاناً بسمعة بنك البحر المتوسط.
يهمّ بنك البحر المتوسط في هذا الإطار لفت انتباه زبائنه الكرام إلى أن ما تسعى إليه جريدة الأخبار لن يزعزع أوضاعه المصرفيّة والماليّة المشهود بسلامتها من جميع المراجع الرقابيّة الرسميّة والخاصّة.
تبقى الإشارة، بغض النظر عن المغالطات التي تنطوي عليها تلك الأخبار المغرضة، إلى أن الوسائل التي تعتمدها جريدة الأخبار للاستحصال على المعلومات، التي تقوم بتحريفها، تشكّل مشاركة منها في جرم إفشاء السريّة المصرفيّة وتستدعي تدخل السلطات القضائيّة المعنية».

■ ■ ■


رد المحرر

ليست المرّة الأولى التي تواجه فيها «الأخبار» تهديدات معلنة باستعمال «السلطات القضائية المعنية» و«الإجراءات القانونية المناسبة» لإسكاتها ومنعها من نشر معلومات، يعدّ نشرها «ضرورياً ومهماً للمصلحة العامّة». فقد سبق لإدارة الجامعة الأميركية في بيروت أن حاولت استعمال «قضاء العجلة» لإصدار قرار يحرم قراء «الأخبار» من حقهم في الاطلاع على وثائق مسرّبة، تحتوي على «اتهامات» بالفساد وسوء الإدارة والاستيلاء على المال العام في الجامعة، التي تستقطب آلاف الطلاب، والمستشفى التابع لها، الذي يستقطب عدداً كبيراً من المرضى. يومها، انتهت المعركة القضائية، التي خاضتها «الأخبار» دفاعاً عن حرية الصحافة، الى إصدار قاضي الأمور المستعجلة في بيروت نديم زوين قراراً اعتبر فيه أن «نشر المستندات الخاصة أمر يحظره القانون (...) إلا في حال توافُر ظروف استثنائية تفرض تفهم نشر مراسلة خاصة، كأن يكون مضمون المراسلة يمس سلامة الدولة أو أمنها، أو متى كان النشر ضرورياً ومهماً للمصلحة العامة ذات الشأن إلى حدّ يسمح بالتضحية بالاعتبار الشخصي».
يهدد حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، باتخاذ «الإجراءات القانونية المناسبة»، ضد «الأخبار»، «لرفع الضرر عن سمعة المصرف المركزي ودوره وعن لبنان». بمعنى ما، سلامة يرفض مناقشة أصل القضية لجهة المعلومات الخطيرة الدالة على شبهة استعمال المال العام وصلاحيات مصرف لبنان وحاكمه ومجلسه لتأمين منافع غير مبررة تعود الى مصرف تجاري خاص يملك الجزء المهم من أسهمه رئيس الحكومة سعد الحريري. ويعمد سلامة الى تهديد «الأخبار» بتحويل الملف الى قضية «قدح وذم وتحقير»، أو إلى ما هو أرفع من الضرر الشخصي: «وهن نفسية الأمة»، عبر الحديث العمومي عن ضرر مزعوم يصيب «لبنان» و«سمعة مصرف لبنان ودوره».
أما بنك البحر المتوسط، فكان أكثر صراحة من سلامة، إذ حمل ردّه إقراراً ضمنياً بصحة المعلومات الواردة في المقال، إلا أنه اعتبرها «مجريات مصرفيّة مألوفة بين مصرف وسلطاته المصرفيّة»، بمعنى أنها تحصل باستمرار، وهذا صحيح وذكره المقال في متنه. ولم يمتلك البنك دفاعاً يقدّمه سوى أن «الأخبار» تسعى إلى النيل من «سمعة الحريري كونه أحد مساهمي البنك» والمس بـ«مهنية سلامة» وتخاطر بـ«الوطن والمواطن» وتضرّ «مجاناً» بـ«سمعة بنك»... وأن «الوسائل التي تعتمدها للاستحصال على المعلومات (...) تشكّل مشاركة منها في جرم إفشاء السريّة المصرفيّة وتستدعي تدخل السلطات القضائيّة المعنية».
مع بنك المتوسط يصبح «التهديد» أكثر وضوحاً، أي اللجوء الى حجّة السرية المصرفية لإصدار قرار قضائي يمنع نشر أي معلومات ووثائق تخص العمليات المريبة الجارية بين مصرف لبنان والمصارف، علماً بأن الاجتهادات رست على أن الصحافة غير خاضعة لموجب حفظ «السر المهني»، كما حدده القانون، بل إن واجبها يقضي بفضح هذا «السر» متى كان «ضرورياً ومهماً للمصلحة العامة»، بحسب القرار القضائي المذكور.
ما عدا ذلك، تحاشى حاكم مصرف لبنان وبنك البحر المتوسط أي رد على مضمون المقال، على الرغم من أنه استند الى وثيقة مؤرخة في 18/7/2017، يطلب فيها بنك «ميد» الحصول على 400 مليون دولار من الأرباح الاستثنائية، من أجل تغطية «التسهيلات والقروض الممنوحة لبعض عملاء المصرف، والتي تتطلب تكوين مؤونات بشكل تدريجي خلال فترة عشر سنوات». ويطلب الكتاب من حاكم مصرف لبنان «بصورة استثنائية» أن يستبدل «الاحتياطي الإلزامي بالدولار الأميركي لمدة 10 سنوات بشهادات إيداع مصدرة من مصرف لبنان». ويبرر طلبه بأن «هذا الإجراء سيمكّن مصرفنا من الحفاظ على المؤشرات الإيجابية الحالية»، أي الحفاظ على ربحية صافية قاربت 200 مليون دولار في العام الماضي، وتحميل الخسائر الى المال العام. كما استند المقال الى قرارات المجلس المركزي لمصرف لبنان، الذي درس طلب بنك «ميد»، ولم يوافق عليه، إلا أنه، بناءً على اقتراح سلامة، وافق على منح هذا البنك تسليفات استثنائية، بفائدة تقل عن 1%، لإعادة توظيفها في شهادات الإيداع بفائدة 6.8% وذلك وفقاً لأحكام المادة 102 من قانون النقد والتسليف، التي تنص على أنه يمكن «للمجلس، في ظروف استثنائية الخطورة، أو في حالات الضرورة القصوى، التي قد تلزمه تلبية حاجات الاقتصاد الملحة للحفاظ على استقرار التسليف، أن يقرر منح تسليفات استثنائية، مؤمنة على قدر الحاجة بضمانات عينية (أسهم، عقارات...) مقدمة إما من المصرف المستقرض نفسه، أو من أعضاء مجلس إدارته، أو من زبائنه، ويحدد مجلس المصرف نوع الضمانات اللازمة وشروط منح التسليفات الاستثنائية واستحقاقاتها».
كي يدحض ما ورد في المقال، لم يكن يتوجب على حاكم مصرف لبنان إلا أن ينشر القرارات التي اتخذها المجلس المركزي، في جلسته الأخيرة، ويبيّن «الظروف الاستثنائية الخطورة» و«الضرورة القصوى» والخطر على «استقرار التسليف» كي يبرر منح بنك تجاري خاص أرباحاً استثنائية لتكوين مؤونات وتغطية خسائر القروض والتسهيلات المتعثرة، وبالتالي عد تحميلها، كما يجب، الى أرباح المساهمين السنوية، الذين يتوجب عليهم وعلى إدارة البنك تحمّل مسؤولية أعمالهم، ولا سيما أن القروض والتسهيلات المتعثرة، التي أرفقها البنك مع طلبه، ممنوحة لجهات على علاقة بالمساهم الأكبر في البنك، أي رئيس الحكومة، سعد الحريري. ولكن سلامة، في ردّه، لم يفعل إلا ما يفعله، عادة، كل «متهم» متلبس بالجريمة، يتذرع بـ«السمعة» في مواجهة الوقائع والأدلة التي تسيء إليها وتلطخها، ويكتفي بالصراخ: «أنا بريء ومظلوم». إذ لم يتضمن بيان «الكتاب الإعلامي» إلا عبارة واحدة ترد على كمّ كبير من المعلومات الموثقة. قال: «إن هذا المقال يجافي الحقيقة جملة وتفصيلاً»، ولم يقدّم أي دليل أو معطى أو معلومة لدعم هذا القول أو إيضاح معناه. هل يقصد سلامة باستخدامه فعل «يجافي» معناه اللغوي الشائع، أي «أن هذا المقال يبتعد عن الحقيقة» أو أنه «يتعامل معها بجفاء وعداء؟». ربما هذا قصده، ولا ضير من الإقرار باحتمال ذلك، لأن السجال، بهذا المعنى، يصبح خارج نطاق البحث عن «الحقيقة» ويتعلق بـ«النوايا» و«المرامي» أو يقع في دائرة «وجهات النظر» و«تمثيل المصالح». فـ«الحقيقة» التي يجافيها المقال جملة وتفصيلاً، هي «الحقيقة» التي يريد سلامة تكريسها كدور وحيد للمصرف المركزي: أن يدعم أرباح المصارف، سواء كانت ظالمة أو مظلومة.
ليس هناك أدنى شك في أن سلامة يمثل مصالح المصارف وكبار مساهميها ومودعيها ومدينيها، وهو لا يخفي ذلك أصلاً، بل يفاخر به وقد عبر عنه بصراحة وعلانية عندما ردد في حملته الأخيرة لتجديد ولايته موقفه الشهير: «أنا أُحاسَب وأُحاكَم كل يوم، ولكن أهم حُكم لي هو حكم الأسواق (...) 24 سنة، منحوني ثقتهم، وهذه الثقة تزداد». يرى حاكم مصرف لبنان أن دوره الأول والأخير هو خدمة «الأسواق» بوصفها تجسّد «المصلحة العامّة»، لا المجتمع والاقتصاد، لأننا بلد «عايش على التحاويل»، بحسب قوله.