وفي اليوم الرابع، انتهت الاشتباكات في عين الحلوة بين مجموعة أبو أشرف العرموشي الفتحاوية من جهة، ومجموعة بلال بدر وبلال العرقوب المتشددة من جهة أخرى. ليس واضحاً المسار الذي أدى إلى توقف إطلاق النار بشكل مفاجئ. مثلما لم يكن واضحاً تحوّل حادث كان يمرر مثله سابقاً بغضّ الطرف، إلى اشتباك أدى إلى مقتل أربعة وجرح نحو عشرة وتضرر عدد من المنازل والمحال وانقطاع الكهرباء عن الأحياء.


الجولة الأخيرة في عاصمة الشتات، أثارت تساؤلات عدة؛ أبرزها عن أسباب تفرد العرموشي بقرار الهجوم على معقل المتشددين من دون التنسيق مع القيادات الفتحاوية الأخرى في المخيم. وما علاقة فريق الضباط من حرس الرئيس محمود عباس الموجودين في لبنان بتسخين الوضع من دون حسم إنهاء حالة المتشددين؟ إشارة إلى أن الاشتباك بدأ الخميس عند دخول العرقوب إلى قاعة صلاح اليوسف في الشارع الفوقاني ومحاولة سرقة أسلحة عناصر القوة الأمنية الستة المنتشرة فيها. عناصر من الصاعقة قابلت الهجوم بإطلاق نار، رد عليه العرقوب ومجموعته، ما أدى إلى مقتل أحد عناصر القوة ممثل فتح، المقدم أبو علي طلال، ونجل العرقوب عبيدة واحتراق منزل الأخير. القيادي في قوات الأمن الوطني الفلسطيني أبو أشرف العرموشي اتخذ قراراً بعد ساعات بالهجوم على معاقل المتشددين، رداً على هجوم اليوسف. مصدر فلسطيني مواكب أكد لـ«الأخبار» أن العرموشي «لم يطلع كلاً من قائد قوات الأمن الوطني اللواء صبحي أبو عرب وأمين سر فتح فتحي أبو العردات واللواء منير المقدح وقائد القوة الأمنية بسام السعد، على قراره أو على خطته العسكرية». ونُقل عن العرموشي تأكيده أنه «حاز مباركة من رام الله (مقر القيادة الفلسطينية)»، علماً بأن شائعات تم تناقلها في المخيم تحدثت عن أن العرموشي «نسق خطوته مع مسؤول الأمن والمال في فتح منذر حمزة ومجموعة الضباط التابعة لحرس أبو مازن الموجودة في لبنان لتدريب عناصر من الأمن الوطني في دورة في مخيم الرشيدية، وزارت عين الحلوة في الأيام الماضية». المشكلة في قرار العرموشي، بحسب المعلومات، «رفضه التنسيق مع القيادات الفتحاوية الأخرى، ما أدى إلى خسارة عسكرية وسياسية للحركة مقابل المتشددين». اللافت أن «عين الحلوة» الذي تُعد بعض أحيائه آخر معاقل التكفيريين في لبنان بعد معركتَي جرود عرسال ورأس بعلبك، شهد إعادة تعويم للمتشددين بمحاذاة طريق الجنوب، برغم الهزائم التي يتلقونها من لبنان إلى سوريا والعراق!
ميدانياً وبدءاً من مساء أمس، انتشر عناصر من عصبة الأنصار في حي الصفصاف وعلى مداخل حي الطيرة (معقل بلال بدر) تثبيتاً لوقف إطلاق النار الذي أعلن خلال ساعات النهار الأولى، إثر اجتماع لممثلي القوى الإسلامية والفصائل الفلسطينية في مسجد النور. لكن في منتصف الليل، تجدد إطلاق نار متقطع من الرأس الأحمر والصفصاف باتجاه المكاتب التابعة للعرموشي، تخلله قنص على المحاور التابعة لفتح.


تفرّد مسؤول فتحاوي بقرار خوض المعركة من دون التشاور حتى مع قيادات تنظيمه


المشهد كان اعتيادياً، وشبيهاً بما يدور بعد جولات الاشتباك في السنوات الأخيرة، باستثناء ما جرى بعد اشتباك نيسان الأخير. حينذاك، استطاعت فتح بكل قياداتها ومجموعاتها العسكرية الميدانية أن تحقق نصراً متأخراً على المتشددين. سيطرت على المربع الأمني لبدر وانتشرت في حي الطيرة وأجبرته على التواري مع مجموعته في الصفصاف. لاحقاً، انتشرت القوة الأمنية في الحي ومحيطه، بعد طول رفض من بدر وأقرانه الإسلاميين المتشددين. ما حققته فتح في الربيع، خسرته في الصيف. عسكرياً، وقعت المجموعة التي دخلت إلى الطيرة في كمين أوقع عناصرها جرحى. في حين كان بلال العرقوب وعناصره يسيطرون على منزل أبو سمير بركة القيادي في مجموعة العرموشي، في الرأس الأحمر المحاذي للطيرة. بالتزامن، انسحبت القوة الأمنية المنتشرة في الطيرة بقرار من حركة حماس (قوام القوة أنصار الله وفتح وحماس). التقدم العسكري للمتشددين جعلهم يفرضون شروطهم لوقف إطلاق النار. بحسب مصدر فلسطيني، تبلغت القوى الإسلامية من بدر رفضه مشاركة فتح في القوة الأمنية عند انتشارها في الطيرة بعد انتهاء الاشتباك واقتصار التمثيل على عصبة الأنصار وحماس. ومن الشروط، إصرار المتشددين على أن تبدأ فتح من اليوم صرف التعويضات للمتضررين في الطيرة على نفقتها (علماً بأن تعويضات الأضرار التي تعهدت كل من حماس وفتح ثم الأونروا بدفعها، بعد اشتباك نيسان، لم تُدفع بعد). ما ربحه المتشددون أخيراً، يضاف إليه الربح المعنوي بعودة بدر إلى الظهور العلني بين منزله في البستان اليهودي على تخوم الطيرة والصفصاف والرأس الأحمر وإصداره بيانات عدة موجهة لأهالي المخيم.
توافقت القوى الإسلامية والفصائل الوطنية، من ضمنها فتح، على وقف فوري لإطلاق النار. وطلبت القوى والفصائل من قائد القوة الأمنية بسام السعد أن تعود القوة إلى قواعدها في قاعة اليوسف والطيرة، على أن يقتصر تمثيلها على عناصر من عصبة الأنصار وحماس. فتح رفضت عدم إشراكها كما يطلب المتشددون وأصرت على إعادة الانتشار ضمن القوة. لكن السعد طالب القوى بإعطاء ضمانات بعدم استهداف عناصر الحركة المنتشرين ضمن القوة. ولما عجزت القوى عن إعطاء ضمانات، رفض السعد الانتشار وفشل الاجتماع وضُرب موعد لاحق اليوم. إلا أن المتشددين استبقوا اجتماع اليوم برسائل من نار الى فتح.
لم تعد فتح إلى المربع الأول في معركتها ضد المتشددين فحسب، بل إن القوى الإسلامية التي ظهرت بموقف معاد لهم في الآونة الأخيرة، عادت إلى اعتدالها. حماس التي ناصبت العداء للتكفيريين وأعلنت مسؤوليتها عن تسليم الداعشي خالد السيد إلى الأمن العام، انسحبت من الطيرة احتجاجاً على تفرد فتح بالمعركة. المتحدث باسمها في لبنان رأفت مرة أكد أن الحركة «غير مشاركة في أي معركة ولم توضع أصلاً في جو الاستعداد لمعركة مثل هذه وترفض الدخول بقتال داخل المخيمات»، لافتاً إلى أنها «أساس القوة الأمنية التي واجبها ضبط الأمن والاستقرار ووضع حد للعنف». طوال أيام الاشتباك الأربعة، التزمت عصبة الأنصار الصمت أيضاً، متسلحة بموقف حماس.
تباين المصالح السياسية قابله نزوح المئات من الأهالي إلى صيدا ونومهم في العراء. عدد منهم اعتصم أمام مسجد الموصلي، مطالباً بالهجرة النهائية من مخيم حق العودة.