بين «حانا» البلدية و«مانا» مؤسسة مياه البقاع، يعاني آلاف الهرملانيين ممن تعوم بلدتهم فوق خزان ضخم من المياه وتضم 11 نبعاً، ونهراً هو الأغزر في لبنان، من انقطاع المياه! منذ ثلاثة أعوام، لم يقدّم أحد، لا من المجلس البلدي ولا من مؤسسة مياه البقاع ولا من وزارة الموارد، رداً شافياً على أسئلة الأهالي عن اسباب إنقطاع المياه وتلوثها، وعن سوء تنفيذ مدّ شبكة المياه التي تتفجّر في الشوارع وتغيب عن المنازل، وعن غياب المراقبة والمحاسبة.


فيما بقي تقاذف المسؤوليات بين البلدية ومؤسسة المياه هو السائد، قبل أن يتفاقم الأمر في الأسابيع الماضية الى حد فرض تقنين قاس غير معلن، أدى الى موجة غضب شعبي وإقامة خيم اعتصام أمام مبنى المجلس البلدي.
الاعتصام بدأته فاتن علام، إحدى سيدات الهرمل، بإضراب عن الطعام في خيمة نصبتها عند مدخل القصر البلدي أول من امس. «تعبنا من الأسئلة عن غياب المياه من دون الحصول على إجابات، في وقت تغرق الطرقات بالمياه المتفجرة من الريغارات»، تقول علام لـ«الأخبار». وتضيف: «مش عارفين مين بيتحمل المسؤولية. ضعنا بين حجج البلدية بعدم صلاحيتها لمتابعة موضوع المياه وذرائع مؤسسة المياه بعدم وجود عدد كاف من الموظفين للإشراف على توزيع المياه، وعدم مؤازرة القوى الأمنية لهم في الجباية ورفع التعديات». واللافت، بحسب علام، أن مصلحة المياه اتصلت بها، وأخبرتها أن المياه وصلت إلى حي المعالي الذي تقطن فيه، «وصار فيكي تعلقي إعتصامك. بدك تاكلي عنب أو تقتلي الناطور؟»، ليأتي الرد من علام بأن «الهرمل كلها يجب أن تأكل عنب، وما بدنا شي من الناطور غير هيك».
كثيرون من ابناء الهرمل التحقوا منذ ليل الاثنين باعتصام علام، ونصبوا خيماً أمام مبنى البلدية، ووقعوا عريضة طالبوا فيها المسؤولين بالتحقيق في الاهمال وفي كيفية تنفيذ مشاريع الخزانات وشبكة المياه الجديدة وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين.


مصلحة المياه لإحدى المعتصمات: جبنالك المي عالبيت. ما بدك تاكلي عنب؟!



«أحياء الهرمل تعاني العطش رغم شبكة المياه الجديدة، وخزانات جمع المياه للضخ في محلة رأس المال، والملايين التي تتحدث البلدية والمسؤولون عن صرفها، فأين ذهبت كل هذه الأموال إذا كانت المشاريع فاشلة؟» كما يقول علي الساحلي.
المحامي فراس علام أوضح أن مشكلة المياه في الهرمل «ليست سوى نتيجة للإهمال والفساد في تنفيذ شبكة مياه الجديدة التي نُفِّذت من دون مراقبة أو اشراف على الأعمال فيها، فنتج عن ذلك مشروع فاشل بامتياز، حيث تتفجر المياه في أكثر من 30 موقعاً في المدينة عند تشغيل المياه فيها»، متسائلاً: «كيف استلمت البلدية ذلك المشروع؟!». ويشير الى ثلاثة خزانات جديدة نفذت فوق محلة نبع رأس المال، وتبين بعد تسلمها من قبل البلدية ووضعها قيد التشغيل أن المياه تتسرب منها. وهذا دليل على الإهمال وفساد الشركة المنفذة، علماً أن للبلدية حق المراقبة على التنفيذ والكشف قبل تسلم المشروع». ولفت الى «أننا ضحية تنازع الصلاحيات بين البلدية ومصلحة المياه، وعدم جدّية الطرفين في معالجة المشكلة، وغياب الاهتمام من قبل السياسيين في الضغط على مؤسسة مياه البقاع للقيام بواجباتها وعلى البلدية لمراقبة حسن سير الأمور».
رئيس بلدية الهرمل صبحي صقر أوضح لـ«الأخبار» أن الشبكة الجديدة والخزانات الثلاثة «نفذت منذ 12 عاما تقريباً، ولم تستلمها وزارة الطاقة والموارد»، لافتاً الى عقبات عدة واجهت إكمال المشروع، وبعدما تبين أن فيها شوائب عدة، «وجّهنا كتباً عديدة لوزارة الموارد ومؤسسة مياه البقاع لاستلام المشاريع إلا أننا لم نلق أي تجاوب». وأشار صقر إلى أن البلدية سعت إلى إصلاح الخزانات الثلاثة، فتبين أن اثنين منها غير قابلين لاعادة التصليح نهائياً، فيما أصلحنا الخزان الثالث ونستعمله مع خزانات أخرى بسعة 6000 متر مكعب لجمع المياه، قبل ضخها، وهي غير كافية لتوزيع المياه على كافة الأحياء». ومن العوائق أيضا، بحسب صقر، التقنين الكهربائي وضعف الطاقة الكهربائية، «افسارعنا الى تأمين مولد كهربائي من اتحاد بلديات الهرمل مع منظم كهربائي لتنظيم عملية الضخ».
ولفت صقر إلى أن المدير العام لمؤسسة مياه البقاع مارون مسلّم طلب من البلدية «كف يدها عن المياه. ولكن مع تقاعس المؤسسة سارعنا إلى التدخل لتأمين المياه للأهالي، وتم تنفيذ وصلة غير منفذة في الشبكة بقيمة 50 مليون ليرة، وأجراء تصليحات دورية في أماكن مختلفة، ونحن نطالب بتلزيم صيانة اعطال الشبكة إلى شركة متخصصة، وتأمين الامكانيات والأموال لدائرة مياه الشفة في الهرمل، وتأهيل الخزانات وخطوط الضخ ومحطة الضخ، على أن تلتزم مؤسسة مياه البقاع بتعهداتها لجهة استكمال الخطوط الرئيسية والفرعية للشبكة، مع انجاز مشروع جر المياه من نبع العاصي لنبع رأس المال، ومطالبة وزراء ونواب المنطقة متابعة الملفات المتقدمة من قبل البلدية لوزارة الطاقة والموارد المائية والكهربائية».
المعتصمون، في المقابل، أكدوا أنهم «غير مقتنعين بكل هذا الكلام لأن البلدية سلطة رقابية وليست جهة مطلبية»، وعليه فإن الاعتصام الذي انتقل الى أمام مبنى السرايا متواصل إلى حين معالجة مشكلة مياه الشفة في المدينة، ملوّحين بخطوات تصعيدية في الأيام المقبلة.