أبلغت مصادر عسكرية «الأخبار» أن قيادة الجيش أجرت تقييماً للأيام الثلاثة الأولى من معركة إنهاء وجود تنظيم «داعش» الإرهابي في جرود رأس بعلبك والقاع، وتوصلت إلى خلاصات، منها: أولاً: النجاح، في وقت قياسي، في طرد إرهابيي «داعش» من غالبية الأراضي اللبنانية، والضغط عليهم للانتقال إلى الأراضي السورية، وتشتيت قدراتهم التنسيقية على الأرض.


ثانياً، محاصرة بقية المجموعات في جيب مفتوح على الأراضي السورية، لكن فيه خصوصية على صعيد التضاريس والكهوف والطرق الفرعية، ما سيجبر القوات المهاجمة على اعتماد تكتيكات خاصة. ثالثاً، تعثر كل محاولات الوصول إلى نتيجة حاسمة في ملف المخطوفين العسكريين، إذ إن «قيادة الجيش لا تملك بعد الإجابة الواضحة حول هذا الملف»، وهي «تدعم المساعي التي يقوم بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، ويتم التنسيق معه من قبل قيادة الجيش ومديرية الاستخبارات بشكل مستمرّ».
ووفق هذه الخلاصات، وجدت قيادة الجيش أنه قد يكون من المناسب وقف العمليات الهجومية في الوقت الحاضر، وتوفير وقت راحة للقوات المشاركة في المعركة، وإجراء عملية تبديل طفيفة ونقل تعزيزات إضافية، وتثبيت النقاط التي جرى التقدم صوبها. فضلاً عن العمل على استطلاع إضافي لآخر مربع يوجد فيه عناصر «داعش»، بغية الحصول على أكبر معلومات تتعلق بعمليات التفخيخ الموجودة، والتي قد تشكل عائقاً أمام القوات المهاجمة، أو توقع في صفوفها خسائر، ولا سيما بعد سقوط شهداء للجيش بسبب المتفجرات فقط.
وبناءً على هذه التوصيات، توجه قائد الجيش العماد جوزيف عون عصر أمس إلى قصر بعبدا، وعرض الأمر على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي أبلغه أن السلطة السياسية تترك للقيادة العسكرية اتخاذ التدابير المناسبة، وأنها تدعم كل جهد من شأنه الوصول إلى كشف مصير العسكريين.
وحول هذا الملفّ، قالت المصادر العسكرية إنه «بعد ساعات على انطلاقة المعركة، بوشرت الاتصالات وبعض المفاوضات الجانبية، وترددت معلومات بأن العسكريين قد استشهدوا في وقت سابق. حتى أن أحد المصادر أشار إلى مكان دفنهم، لكن عمليات البحث في مكانين على الأقل لم تؤد إلى نتيجة، ما دفع قيادة الجيش إلى رفض فكرة استشهادهم، وبقي الاصرار على كشف مصيرهم».
وعندما عرض المدعو موفق الجربان المعروف بـ«أبو السوس»، وهو ما يسمّى بـ«أمير داعش» في الجرود، أن يقدم المعلومات شرط تسهيل خروجه من المنطقة في اتجاه دير الزور، رفضت الجهات المعنية في الجيش والأمن العام الطلب، وأصرت على أن مفتاح أي تفاوض هو الكشف عن كل تفصيل يتعلق بالعسكريين. وتسود قناعة لدى القيادة العسكرية والأمن العام بأنه لا مجال لمنح المسلحين أي هامش للمناورة، كما حصل عام 2014، عندما قال وسطاء إن الإرهابيين سيتركون العسكريين بمجرد خروجهم من عرسال إلى الجرود، وهو ما لم يحصل. وحذّر المعنيون من أن التجاوب مع مطالب قادة الإرهابيين اليوم، قد تؤدي إلى النتيجة نفسها. ويشار إلى أن هناك ثلاث روايات حول مصير العسكريين لدى ثلاث جهات أمنية وعسكرية في لبنان.


تقدم المقاومة والجيش السوري في مرتفع عجلون سهل سيطرة الجيش على تلة الكاف الاستراتيجية


وفي السياق نفسه، كان لافتاً التواصل اليومي والمفتوح بين السفارة الاميركية في بيروت وقيادة الجيش. فضلاً عن تولي السفيرة نقل تحيات إدارتها وقادة جيشها إلى الجيش على ما يقوم به. ويوصي الأميركيون الجيش بـ«القيام بعمل حاسم وعدم إفساح المجال أمام أي تفاوض مع الارهابيين. مع التشديد على توصية واشنطن بعدم التنسيق مع حزب الله والجيش السوري، وعلى استعداد القوات الأميركية في المنطقة لتأمين كل ما يحتاجه الجيش من ذخائر خلال المعركة».
أمّا في شأن التنسيق غير المرغوب أميركياً، فإن قوات المقاومة والجيش السوري العاملة في المحور الشرقي من ساحة المعركة، عملت خلال الساعات الـ 24 الماضية على شن هجمات حاسمة في شمال الجرود السورية المقابلة لناحية القاع، بما يسهل على الجيش التقدم أكثر صوب المناطق التي وصلتها قواته خلال الساعات الماضية أيضاً، على غرار سيطرة المقاومة على مرتفع عجلون وشعبة بيت شكر، التي أمّنت إحدى جبهات الجيش اللبناني للتقدم باتجاه تلة رأس الكاف الاستراتيجية (1643). بينما كثف الطيران السوري قصفه لمراكز قيادة خاصة بـ«داعش»، وضرب ممرات بين بقع الجرود، وتغطية تقدم عناصر المقاومة لتحرير بعض هذه الممرات، وتأمين تغطية نارية تمنع عناصر «داعش» من التحرك في الجانبين السوري واللبناني. وتولت غرفة العمليات في المقاومة إيداع الجيش على الأرض معلومات سهلت عليه ضرب محاولة مجموعة من «داعش» مهاجمة بعض نقاطه على الأرض اللبنانية.
وفيما أكّدت قيادة الجيش، في موجز صحافي أمس، أن المساحة التي تمّ تحريرها منذ بدء المعركة هي 100 كلم مربع، والمساحة الباقية لتحريرها هي 20 كلم مربعاً في وادي مرطبيا، سجّلت قوات الجيش السوري والمقاومة أمس إنجازاً كبيراً من الجهة السورية بالسيطرة على نحو 44 كلم مربعاً جديداً من الأراضي التي كان يحتلّها «داعش»، لتصبح المساحة الباقية في قبضته نحو 50 كلم مربّعاً، ومن المتوقّع أن ينجز تحريرها في الأيام المقبلة.
ولا يزال «داعش» يسيطر حتى الآن من الجانب السوري على مناطق: «حليمة قارة»، «جبل القريّص»، «تم المال» حيث يسيطر على نبع مياه كبير، بالإضافة إلى نبع آخر على سفح «حليمة قارة»، وعلى «سهل مرطبيا» في سوريا و«وادي مرطبيا» في لبنان، وعلى «وادي الشاحوط» في لبنان، وجزء منه في سوريا.
وكان أهمّ ما أنجزته المقاومة والجيش السوري في اليوم الرابع من العمليات، السيطرة على عددٍ من المعابر الحدودية المهمة (سن فيخا، وميرا، والشيخ علي). وشهدت المحاور الشمالية والشرقية والجنوبية مواجهاتٍ عنيفة ضد إرهابيي «داعش»، تخللها التحام مباشر بين القوات المهاجمة والإرهابيين.
والتقت القوات المتقدّمة من المحور الشرقي من جهة «مرتفع الموصل ــ سن فيخا» غرباً، بتلك المندفعة جنوباً من المحور الشمالي، وتحديداً من «مرتفع عجلون الكبير»، عند «شعبة الراسي»، لتبسط سيطرتها مباشرةً على معبر سن فيخا المُعبّد، الذي يصل جرود البريج السورية، بجرود القاع اللبنانية.
وسيطرت القوات المهاجمة على 75 في المئة من مساحة معبر ميرا، الواصل بين جرود قارة السورية وجرود عرسال اللبنانية (يتصل أيضاً بمعبر سن فيخا)، في ظل انهيار معنويات الإرهابيين وانسحابهم إلى خطوطهم الخلفية، وذلك بعد استعادة مرتفعات «سن ميري الجنوبي»، و«ضليل حسن»، و«خربة ميري الفوقا»، إضافة إلى سقوط عدّة تلال بيد المقاومة تحت وطأة القصف العنيف وانهيار المعنويات.
وفيما عثرت المقاومة في منطقة الزعرورة في إحدى غرف الإشارة الميدانية التابعة للتنظيم على أجهزة اتصالات لاسلكية مشفّرة، بعضها متطوّر، أفادت مصادر معنيّة بأنه سجّل خلال اليومين الماضيين استسلام عناصر من «داعش» لقوات المقاومة، وسط تكتّم شديد.
(الأخبار)