منذ أسابيع، عاد الحديث عن تقارب مُستجد بين تيار المردة وحزب القوات اللبنانية ليأخذ حيّزاً كبيراً من النقاش السياسي في البلد. الحزبان اللذان بدآ عملية «التطبيع» بينهما منذ مصافحة النائب سليمان فرنجية ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع في بكركي، ثمّ تشكيل اللجنة المشتركة، لا يجمعهما سوى الرغبة في استفزاز رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل، وإيصال رسالة إلى كلّ من يعنيه الأمر، بأنّ آفاقهما مفتوحة على كلّ الاحتمالات.


تحت هذا العنوان تندرج زيارة الوزير السابق يوسف سعادة لمعراب، الجمعة الماضي، ولقائه جعجع. تسريب الخبر إلى الإعلام أتى من جانب «المردة»، وتحديداً بإصرار من فرنجية، بحسب مصادر مطلعة. لم يرد رئيس «المردة» أن يزور موفده مقرّ قيادة القوات تحت جنح الظلام، حتّى يتمكن من «تسجيل النقاط والتعليم» على باسيل. عنوان اللقاء «استكشاف النوايا»، والبحث في «كل القضايا، ولكن بعمومية من دون الغوص في التفاصيل»، كما تقول مصادر بنشعي. حتّى إنّه «لم يُبحث في ترتيب لقاء بين رئيسّي الحزبين».
«فتوى» المردة أن اللقاء أتى كـ«ردٍّ على زيارة الوزيرين ملحم رياشي وغسان حاصباني لبنشعي»، مع الإشارة الى أنّ زيارتَي وزيرَي القوات اللبنانية أتتا في سياق عملهما الحكومي، في حين تُعدّ زيارة سعادة لمعراب مُساهمةً في إذابة الجليد بين المردة والقوات، وإسفيناً جديداً في العلاقة المضطربة بين التيار الوطني الحر والقوات من جهة، والعلاقة شبه المقطوعة بين التيار العوني والمردة من جهة أخرى.
هي المرّة الأولى التي «يتعرّف» فيها المردة على سمير جعجع كرئيسٍ لحزب. مُدّة الجلسة كانت طويلة نسبياً، «خُصّصت للكلام العام، والعلاقة بين الحزبين، وكيفية تطورها». وبمُجّرد أن يُقرّر فرنجية تخطّي حدود المدفون، وإيفاد واحد من أقرب الكوادر المرديين إليه، والمسؤول عن ملفّ العلاقة بين المردة والقوات، إلى معراب، «يُعدّ خطوة مهمة وكبيرة». حتّى ولو أنّ المصادر المُطّلعة تؤكد أنّ اللقاء «لم يُسجّل، عملياً، أيّ تطور إيجابي أو سلبي»، باستثناء أنّه كان عبارة عن «حمامٍ زاجل» في اتجاه «كلّ من (رئيس الحكومة) سعد الحريري وجبران باسيل». تشير المصادر المطلعة إلى أنّ «فرنجية وجعجع يُدركان جيداً على أي أساس يلتقيان، وحدود مناورتهما السياسية»، من دون أن تُسقط من حساباتها أنّ «كلّ الأطراف بدأت، قبل انقضاء العام الأول من ولاية الرئيس ميشال عون، البحث في الانتخابات الرئاسية المقبلة». الثلاثة (باسيل، فرنجية، جعجع) مُرشحون طبيعيون إلى هذا المنصب، «ومن الطبيعي أن يسعوا إلى قطع الطريق، أحدهم على الآخر».
المصالحة الحقيقية بين المردة والقوات، وانتهاء مفاعيل توظيف مجزرة إهدن في الزواريب السياسية، لن يحصلا قبل لقاء فرنجية وجعجع. ولكن زيارة سعادة لمعراب ورقة ستستفيد منها القوات اللبنانية في سعيها الدائم إلى تنظيف سجلها في الحرب الأهلية. لا توافق المصادر المطلعة على ذلك، وتؤكد أنّ فرنجية «أحسن في انفتاحه وطنياً على القوات، عوض البقاء في بنشعي، لأنه لم يتبقّ لديه حليف حقيقي سوى حزب الله وحركة أمل». كذلك فإنّ رئيس المردة «ثابت على مواقفه الداعمة للمقاومة، ولا ينفك يُجاهر بصداقته مع الرئيس السوري بشار الأسد، في حين أنّ جعجع هو الذي يقترب منه». ميزان القوى إقليمياً يميل لمصلحة «محور المقاومة»، فهل «يبقى جعجع يُحارب طواحين الهواء محلياً، ويبقى تحت رحمة سعد الحريري وجبران باسيل اللذين يريدان التعامل معه على القطعة؟». على العكس من ذلك، لن يجد رئيس القوات اللبنانية نفسه مُحرجاً من استقبال موفد «صديق بشار الأسد»، الذي أصرّ وزيره يوسف فنيانوس على زيارة سوريا «بصفة رسمية»، في مقابل معارضة القوات لهذه الخطوة.
ولكن بالنسبة إلى مصدر مسؤول في القوات اللبنانية، تعكس الزيارة «إصرار الطرفين على مواصلة التنسيق السياسي بينهما، لا سيما في اللحظة التي تعود فيها الملفات الخلافية الى الواجهة؛ فوزير المردة زار سوريا والقوات كانت رأس حربة ضد هذه الزيارة»، مع تأكيده أنّ لقاء سعادة بجعجع «عادي ولا يُعتبر تطوراً أو خرقاً». يلتقي كلام مصدر القوات مع ما سُرّب من جانب المردة عن أنّه «بعد زيارة وزيرَي القوات لبنشعي تأتي هذه الزيارة لتعكس حرص الطرفين على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة تحسّباً لأيّ تطورات». ويوضح أنّه «إذا أراد الفريقان التحالف انتخابياً، لا يُمكن القيام بذلك من دون تمهيد الاجواء وترطيب العلاقة بين القاعدتين، كي لا يبقيا على طرفي نقيض»، مع إدراك الطرفين أنّ الأمر شبه مستحيل، لوجود موانع كثيرة. يُقارب مصدر القوات الأمور بواقعية، ويسأل: «هل لقاء الجمعة يُمهّد لاجتماع جعجع وفرنجية؟ كلا. وهل ظروف لقائهما أصبحت متوافرة؟ كلا»، من دون أن يستبعد أن «لا شيء يمنع اجتماع رئيسَي الحزبين، لكن في الوقت المناسب».