رفض الجزائريون، بعد الاستقلال، طلب شارل ديغول تمزيق صفحة الاستعمار الفرنسي السوداء. كان منطق الثوار أنه لا ينبغي تمزيق الصفحة، بل طيّها فقط، وفتح صفحة جديدة. قال هواري بومدين ذات مرة: نحتاج، نحن الاثنين، إلى أن نعود لمراجعة الماضي، حتى لا نكرر الأخطاء نفسها!


في لبنان حالة تستوجب هذا النوع من العلاج. هي بالتحديد حالة «القوات اللبنانية»، التي يفاخر قائدها سمير جعجع بأنه لم يحد عن خطه واقتناعاته، وأنه دفع كما بقية كوادره الثمن باهظاً جرّاء التمسك بالموقف والشعار. وما يتعب «القوات»، اليوم، أسباب كثيرة، بينها الرداء الزائف الذي تحاول رميه على كتفيها، فلا تظل تشبه نفسها وماضيها، ولا هو يكفي لنقلها الى حاضر مختلف. وكلما عاش لبنان تحولاً سياسياً كبيراً، تعود قيادة «القوات» الى ما تعرفه جيداً، وهو لغة الماضي الأسود.


ربما نحتاج الى علماء نفس وعلماء اجتماع لنفهم سبب استمرار ولاء قسم غير قليل من اللبنانيين لزعامات لم تأتهم إلا بالخراب والتخلّف والفقر


اليوم، تسأل شاباً في مطلع العشرينات عن سبب انتمائه الى «القوات»، فيجيبك بأن الامر يعود، في غالب الاحيان، الى اقتفاء أثر أهل وأقارب، وفي أحيان أخرى اقتناعاً بأن «القوات» تمثل حلم السيادة والحرية. وفي مواضع أخرى، يحدثك قليلون عن أنها سلّم النجاة من الغبن والقهر. لكن جميع هؤلاء يتشاركون سبباً أكثر وجاهة وهو: الدفاع عن الوجود المسيحي!
ربما نحتاج الى علماء نفس وعلماء اجتماع حتى نفهم سبب استمرار ولاء قسم غير قليل من اللبنانيين لزعامات لم تأتهم إلا بالخراب والتخلّف والفقر. لكننا لا نحتاج الى جهد كبير حتى نسأل المنتمين الى هذه «القوات»، أو المناصرين لها، عن مصادر الإعجاب والدهشة والتأثر والشغف. هل هو تاريخها؟ هل هو إرثها في الحرب الأهلية؟ هل هو خطابها الحالي؟ هل هو تميّزٌ في أشخاص قادتها؟
وقبل أن يتحفنا شارل جبور بردّ مزلزل يتضمن أجوبة ودرساً على طريقة التعليم تحت الشجرة، حيث الصوت والسوط، ربما وجب علينا دعوة هؤلاء الشباب والصبايا، الحقيقيين مثل الشمس، والجميلين أيضاً، إلى أن يعودوا الى دفاتر الكبار قليلاً، ثم بعد ذلك دعوتهم الى مقارنة الموجود في الأرشيف بما يجري تداوله اليوم.
من جهتي، قرأت واستمعت مجدداً الى أسعد الشفتري، ورغبتي القوية هي أن أصدق القول لشباب وصبايا «القوات» بأنه ليس هناك من مجد ولا مستقبل مع هذا النوع من النوادي، بل هناك حالة نفسية تحتاج الى علاج، ومكانها عيادات الأطباء الحقيقيين، لا حكيم معراب!