بعدما تحولت بلدية مدينة جبيل، منذ ٢٠١٠، «مربط خيل» لرئيسها السابق زياد حواط، يريد الأخير أن يُحولها إلى «دكانته» في معركته الانتخابية المقبلة. يأبى أن يستقيل منها من دون أن يُحدّد من يكون رئيساً، ونائباً للرئيس، وكيف تُوزع المهمات. منطق فرض الأشخاص وإسقاط القرارات على أعضاء المجلس البلدي الـ١٨، رفضه ثلاثة منهم، وأدّى إلى استقالتهم من البلدية، وهم: نائب الرئيس أيوب برق وميشال قويق (ينتميان إلى حزب الكتائب، وقدّما كتاب استقالتهما إلى قائمقام جبيل بالإنابة نجوى سويدان في ٢١ تموز الماضي)، ونجوى باسيل بييتون (زوجة سفير فرنسا السابق لدى لبنان دونيس بييتون) التي استقالت في ٢١ آب الجاري.


وقد نشرت بييتون كتاب استقالتها الذي علّلت فيه أنها ترشحت إلى البلدية «لأساهم في أن تكون مدينة جبيل نموذجاً ليس فقط في تنفيذ مشاريع تُحقق نهضة اجتماعية واقتصادية للمدينة، بل أيضاً في بناء حكم محلي يؤسس لنمط متجدد في إدارة المرافق العامة، مبني على الممارسة الديمقراطية المنزهة عن التدخلات التي تخدم المصالح الخاصة قبل العامة». وبعد أن اعتقدت أنّ «العهد الأول جعل أعضاء المجلس البلدي يختبرون العمل ضمن فريق ويكتشفون مكامن قوة البعض ومكامن ضعف البعض الآخر (…) وأن تلك التجربة ستعطي شرعية في تولي المناصب انطلاقاً من التزام كل عضو المهام التي قام بها والمشاريع التي اقترحها أو حققها أو تابعها». تبّين لها أنّه بعد استقالة حواط من رئاسة البلدية أصبح الواقع المُستجد «مبنياً على التوازنات التقليدية الضيقة، وعلى العلاقات الشخصية لتسليم السلطة، وعلى اللجوء إلى التسويات لإقناع الأفراد، وكذلك على اعتماد المنطق الذكوري الذي يحصر المناصب في الرجال فقط».
بدأت الخلافات داخل المجلس البلدي الجُبيلي تطفو مع حسم حواط موقعه السياسي واستقالته من البلدية. تُحدّد مصادر في جبيل المشكلة مع حواط بأنّه «يريد البلدية مُلكاً له في حين أنّنا نريدها في خدمة الجميع». تعود المصادر إلى انتخابات العام الماضي حين «تقدّم الأخوان زياد ونبيل حواط بطلبي ترشيحهما إلى البلدية. تكتما حول ترشيح نبيل، وكانت خطتهما أن يكون الأخير رئيساً للبلدية ويتفرغ زياد للعمل النيابي». لم يكن أحدٌ في حينه قد قرّر خوض معركة حقيقية في «البلدية» ضدّ حواط، لذلك اعتبر أنّ الأمور ستكون محسومة لشقيقه. ومع انكشاف ترشيح صهر رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان، «مارست الكتائب والقوات اللبنانية وشخصيات جبيلية ضغوطاً لمنع ذلك، من منطلق أنّ البلدية ليست لهما حتّى يُقررا من دون استشارة أحد من سيترأسها». وتحت تهديد «تشكيل لائحة أخرى، وفرط التوافق بين حواط والقوات والكتائب، تقدّم نبيل في ١٦ أيار ٢٠١٦، بطلب الرجوع عن الترشيح». وقد سُجّل الطلب الذي يحمل توقيع القائمقام نجوى سويدان تحت الرقم المتسلسل ٧/ ب.
نجح زياد حواط في وجه منافسته كلود مرجي، لدورة ثانية، «وارثاً» معه منذ الـ٢٠١٠ «اتفاقاً مع حزب الكتائب بأن يكون أيوب برق نائباً للرئيس، وإذا قرّر حواط الاستقالة من أجل النيابة، تؤول الرئاسة إلى برق». الاتفاق كان «أخلاقياً وشفهياً»، بحسب المصادر الجُبيلية التي شاركت في وضعه. بعد استقالته، حاول حواط طرح «إمكانية تقاسم المدة الباقية من الولاية بين برق وزعرور، على أن يتولى الأخير أول سنتين ونصف». رفضت الكتائب العرض، «وقرر حواط نفض يديه من الاتفاق، قائلاً بوضوح إنه يريد أن تُترك البلدية له، حتى يتمكن من خدمة الناس». أراد الإتيان «ديمقراطياً» بأحد المقربين منه ليُمارس من خلاله مهماته كرئيس ظلّ. حصل الاحتكاك مع ممثلي الكتائب في البلدية، اللذين قررا الاستقالة قبل ساعات من «تعيين» وسام زعرور رئيساً للبلدية في ٢١ تموز.
يوم حصلت المشكلة بين حواط والكتائب، كانت بييتون من الأعضاء الذين «وقفوا إلى جانب برق بجرأة تميزت بها عن غيرها. وحتى يمتص حواط اعتراضها، وعدها بأن تكون هي نائبة الرئيس في المرحلة المقبلة». لم يكن حواط جدياً في عرضه. إذ منذ البداية كان يعمل على «توافق بين جوليان زغيب (يتسلم مركز نائب الرئيس لسنتين ونصف) ورالف صليبا (يتسلم المركز في السنتين والنصف الأخيرتين من الولاية)». إذ إنّ الرجلين ينتميان إلى اثنتين من أكبر العائلات الجبيلية التي يريد الاستفادة من أصواتها.
الاتفاق على منصب الرئيس وافق عليه معظم الأعضاء، باستثناء بييتون. الحركة الاعتراضية داخل بلدية جبيل ليس من المُرجح أن تتوسع مروحتها أكثر من ذلك. ولكن الأكيد أنّ «الفاولات» التي بدأ حواط بارتكابها، وانكشاف حقيقة «البروباغندا» التي نجح في بنائها لنفسه على مرّ السنوات، والمعارضة الحقيقية التي بدأت تكبر ضدّه، لن تجعل مسيرته مُرشحاً للنيابة سهلة.