تتواصل الضغوط الأميركية والإسرائيلية لوضع «اليونيفيل» في مواجهة المقاومة وشعبها في لبنان، عبر تعديل صلاحياتها كي تتحول إلى أداة أمنية وعملانية للجيش الإسرائيلي. ونتيجة تنبه هذه القوات لهذا الاستدراج الذي يعطل دورها ويحرفها عن مسارها، تتواصل الانتقادات اللاذعة لها، وصولاً إلى اتهام قائدها الإيرلندي مايكل بيري، على لسان السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هيلي، بـ «عدم فهم ما يجري حوله»، فيما وصف السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون، اليونيفيل بـ «العمى»، مشدداً على ضرورة وضعها حداً لخروقات حزب الله، متجاهلاً الخروقات اليومية الإسرائيلية في الجو والبحر والبر.


تأتي هذه المواقف، بالتزامن مع وصول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس إلى إسرائيل، وعشية مناقشة مجلس الأمن تجديد تفويض قوات «اليونيفيل» في المنطقة. وعمدت إسرائيل لاستغلال زيارة الضيف الأممي بتركيز الحديث عن مخاطر تزوّد حزب الله بالأسلحة والصواريخ. وبالتأكيد، لن تفوت الفرصة لممارسة المزيد من التهويل الذي دأبت عليه منذ ما بعد حرب 2006، بمستويات مختلفة، عبر القول إن استمرار تعاظم قدرات الحزب قد يؤدي إلى التصعيد. في حين أن تعاظم هذه القدرات هو الذي حال، طوال أكثر من عقد، دون تعرض لبنان لاعتداءات إسرائيلية واسعة.
من المهم الإشارة إلى أن إسرائيل التي تحذّر في المحافل الدولية من تعاظم قدرات حزب الله، أعلنت نهاية الأسبوع الفائت إبرام صفقة مع الإدارة الأميركية لتزويد سلاح الجو بـ 17 طائرة شبح مقاتلة «أف 35»، الأكثر تطوراً في العالم، و33 طائرة أخرى جرى شراؤها العام الماضي، على أن تحصل لاحقاً على 50 طائرة من النوع نفسه، وهو ما يفترض أن يوفر لسلاح الجو الإسرائيلي قدرة هجوم استراتيجية تتجاوز الدول المحيطة إلى مسافة تصل إلى أكثر من 2000 كلم. وهي صفقة وصفها وزير الأمن أفيغدور ليبرمان بأنها تشكل «قوة جوهرية استراتيجية إضافية لسلاح الجو... تساعد إسرائيل على مواجهات التحديات والمخاطر الأمنية، وستمكن سلاح الجو من القيام بمهمات خارج حدود الدولة».
والأبرز في الحملة الاميركية ــــ الإسرائيلية لتعديل صلاحيات «اليونيفيل» أنها تتزامن مع حملة سياسية موازية على خطي واشنطن وموسكو، من أجل ترتيبات ما في الجنوب السوري (من ضمن مطالب أوسع تتصل بمجمل الساحة السورية). ومع أن الحملة المتصلة باليونيفيل، مرتبطة ظرفياً بموعد مناقشة تجديد تفويض لها وتوجهات إدارة دونالد ترامب لتخفيف مشاركتها في الموازنة الأممية، إلا أن العامل الأكثر مساهمة في بلورة هذا الخيار الأميركي ــــ الإسرائيلي أنه يأتي نتيجة التطورات الميدانية والسياسية التي شهدتها الساحة السورية، والتي جسدت حقيقة انتصار محور المقاومة في سوريا.
تدرك تل أبيب أن التطور السوري ستكون له مفاعيل فورية ومباشرة، وأخرى على المديين المتوسط والبعيد. والمشترك بينهما، أنه أسقط الرهان الإسرائيلي على محاولة التخلص من السد الذي تشكله المقاومة في لبنان والمنطقة، ويعزز قدراتها العسكرية والصاروخية، ويوفر لها هامشاً أوسع في الردع والرد والدفاع.
في المقابل، يجد صانع القرار في تل أبيب نفسه مقيّداً بين خيارات خطرة في التعامل مع واقع حزب الله ومستقبله وقدراته في الساحة اللبنانية. لكن القدر المتيقن من التقديرات الأكثر حضوراً في وعي المؤسستين السياسية والأمنية الإسرائيلية أنه لا يمكن إسرائيل التسليم طوعاً بهذا الواقع. وفي ضوء ضيق خياراتها العملانية، ليس أمامها سوى الاستنجاد بواشنطن وأتباعها في المنطقة.
مع ذلك، يمكن القول إن بعض ملامح الخيارات البديلة بات واضحاً ــــ وإن لم يكن بعضها جديداً ولكنها باتت أكثر إلحاحاً ــــ من فرض العقوبات الأميركية الاقتصادية، إلى اعتماد سياسة التهويل، إلى شيطنة صورة حزب الله، على أن تكتمل الصورة لاحقاً، إزاء هذه الخيارات.
في السياق نفسه، تأتي الحملة الأميركية الإسرائيلية على اليونيفيل كجزء من الخيارات التي اجترحتها المؤسسة الإسرائيلية، في محاولة للحدّ من مفاعيل وتداعيات الانتصار المحلي والإقليمي ضد الجماعات التكفيرية. مع ذلك، ينبغي التمييز بين مفهومين: الأول أن يكون هذا الخيار أو ذاك، مطلباً ملحّاً، أو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. والثاني، يتصل بمدى إمكانية تحققه. لكن لا وجود القيود الواقعية وموازين القوى الإقليمية، التي تحول دون تحقيقه، تلغي كونه مطلباً ملحّاً في ضوء المتغيرات التي تشهدها المنطقة، ولا كونه مطلباً ملحّاً، تعني بالضرورة أن الطريق إلى تنفيذه معبدة.
ومن هنا يأتي الإصرار الأميركي والإسرائيلي على مواصلة الضغوط، على أمل أن يحقق ذلك تطوراً ما. في الواقع ليست هذه الضغوط سوى إصرار على تدفيع اليونيفيل ثمن الانتصار في لبنان وسوريا، عبر توجيه الانتقادات القاسية اليها، واتهامها بالتقصير وعدم القيام بالمهمة المؤملة، أو عبر محاولة اجبارها على ادوار تستعدي من خلالها سكان الجنوب اللبناني. مع ذلك، فإن الحسابات المنطقية تفترض أن ما لم تستطع إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، فرضه في ذروة الضغط التدميري الذي اعتمدته خلال حرب 2006، لا يعقل أن تتمكن من انتزاعه بعد التطور الذي شهدته قدرات الردع والدفاع لدى المقاومة، وبشكل أخص بعد الانتصارات الإقليمية التي تحققت في سوريا والعراق.
لكن تبقى نتيجة على هامش هذه الحملة، ينبغي استحضارها وعدم الاستهانة بها، وهي أنه في الوقت الذي يتألق فيه حضور حزب الله، في الوجدان اللبناني والعربي، كقوة دفاع وردع عن لبنان، وكخيار ثبتت نجاعته في التحرير والدفاع بديلاً من سياسة الخضوع والاستسلام، يأتي الضخ المضاد، على المستويين الإعلامي والسياسي، الدولي والإقليمي والمحلي، في محاولة لقلب الصورة. ففي مقابل تعاظم القدرة الذي يحمي لبنان والمنطقة، من التهديدين الإرهابي والتكفيري، يأتي التهويل للإيحاء بأن تنامي هذه القدرات هو سبب التهديد، وأن ما ينتظر لبنان نتيجة قوة الردع والدفاع التي تهدد الأمن القومي الإسرائيلي، هو عقوبات تهدد اقتصاده...
مع ذلك، ينبغي التأكيد أن الحديث عن خطة مدروسة في هذا المجال ليس من صنع الخيال، ولا مجرد مفهوم يمكن استقراؤه من الواقع، وليس فقط نتيجة منطقية لتحليل ودراسة موضوعية، بل هو ترجمة لخيارات وقرارات تحضر لدى صناع القرار، ومعاهد الدراسات. وفي هذا الإطار، تناولت دراسة صادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب السيناريوات والتحديات التي تواجه إسرائيل بعد التطورات التي شهدتها سوريا، ورأت ــــ من ضمن عناصر أخرى ــــ أن هناك فرصاً بالنسبة إلى إسرائيل يمكن استغلالها من خلال بلورة ردّ متشابك (على التهديد الذي يتبلور في الساحة السورية) يتضمن مكونات من قوة ناعمة وقوية، وعمليات مستقلة، وتعاوناً مع لاعبين من قوى عظمى وإقليمية وقوى داخلية سورية، ومن هذه الفرص «... سيكون من السهل تشويه صورة إيران (وكما هو معلوم ينطبق ذلك على حزب الله وبقية حلفائها في العراق وسوريا) وتصويرها كعنصر مخرب ومزعزع للاستقرار من خلال تصوير الأضرار التي تسببها للاستقرار في سوريا وسعيها إلى توسيع الاحتكاك في مواجهة إسرائيل والدول المجاورة لسورية. إن العمل ضد التخريب الإيراني يمكن أن يشكل منصة لقيام تعاون بين إسرائيل ولاعبين آخرين في المنطقة يشاطرونها مصالح متشابهة، في أساسها معارضة النفوذ الإيراني في المشرق». (العميد أودي ديكل/ نائب رئيس معهد أبحاث الأمن القومي/ مباط عال/ 23/8/2017).