أعطت عطلة عيد الأضحى «نَفَساً» للسياسيين، وللحكومة اللبنانية، حتّى تتجاوز أزمة ما بعد معركة تحرير الجرود 2. فغداة الاتفاق الذي أدّى إلى انتهاء معركتَي «فجر الجرود» و«إن عُدتم عُدنا»، وتحقيق هدفَي الهجوم المُتمثلين أولاً بكشف مصير جنود الجيش اللبناني الذين أسرهم «داعش» في آب 2014، وثانياً بإنهاء وجود التنظيم الإرهابي داخل الأراضي اللبنانية وفي المناطق السورية المُتاخمة للحدود مع لبنان، انقسم السياسيون في ما يُشبه الصراع في البلد أيّام ما كان يُعرف بـ 8 و14 آذار.


محور 8 آذار مزهوّ بالانتصار، ورئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل يُعلن أنّ «العسكريين استشهدوا عند السكوت والتقاعس عمّا حدث عام 2014، فلا لبعثرة الانتصار... من سمحوا بالإرهاب سابقاً فليسكتوا اليوم وليكفّروا عن خطاياهم بالمساعدة بحل موضوع النزوح». في حين أنّه على الجبهة الأخرى، لم يملّ أعضاء 14 آذار من محاولة الفصل بين الجيش اللبناني وحزب الله، وكأنّ كلّ طرف كان يخوض معركةً مُنفصلة عن الآخر، رغم أن الميدان أثبت العكس. حاول «ثوار الأرز» توهين ما أنجزته المقاومة اللبنانية من تحرير للأرض وتحقيق أهداف المعركة.


أنهى كنعان التقرير حول مشروع موازنة الـ 2017، مع إدخال تعديلات عليه


كلّ المؤشرات كانت تدّل على أنّ الأمور آيلة إلى تصعيد وتوتّر سياسيّين، إلى أن عقد الرئيس ميشال عون وقائد الجيش العماد جوزف عون، مؤتمراً صحافياً في 30 آب، روى فيه قائد الجيش تفاصيل المرحلة الأخيرة من المعركة ضد داعش، فبدت روايته مطابقة لما سبق أن أعلنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. أعاد قائد الجيش سرد تفاصيل نهاية المعركة، التي حقّقت هدفيها كما قال، وكيف أنّه لم يكن سيُغامر بالإطباق على الإرهابيين بتكبّد المزيد من الخسائر البشرية ومن دون كشف مصير الجنود. وعلى الرغم من أنّ الأطراف التي تدّعي الحرص على الجيش، ولا سيّما القوات اللبنانية، «تجاهلت» كلام العماد عون، مُصرة على النغمة عينها أنّ حزب الله يُمسك بقرار الدولة و«جرّ» الجيش إلى إنهاء معركة الجرود، إلا أنّ كلام العماد عون ساهم في تخفيف حدّة النقاش.
تلا ذلك، خطاب نصرالله خلال احتفال التحرير الثاني، الذي أضاء على تكليف حكومة سعد الحريري الجيش اللبناني القيام بمعركة تحرير الجرود، مُطمئناً إلى عدم إسقاط الحكومة، حتى بوجود ملفات خلافية كالتنسيق مع سوريا. بعد كلام نصرالله، جاءت مقابلة الحريري مع صحيفة «لو موند» الفرنسية بعد زيارة رسمية لباريس. إعلان رئيس الحكومة أنّ قرار إخراج عناصر «داعش» إلى ما بعد الحدود اللبنانية صَدر عن الرئيس عون وعنه، بدا ردّاً على فريقه السياسي، وتحديداً كتلة تيار المستقبل ورئيسها النائب فؤاد السنيورة.
«امتصاص» الأزمة، الذي بادرت إليه كلّ الأطراف، يدّل على أنّ الأمور في ما خصّ ملف الجرود آيلة إلى الهدوء، من دون أن يكون هناك قرار بفرط الحكومة، التي يبدو أنّ قرار وجودها أكبر بكثير من المعارك الداخلية. انعكست التهدئة أيضاً على طلب الرئيس عون إجراء تحقيقات لمحاسبة المسؤولين عن جريمة خطف العسكريين في 2 آب 2014. فعلى الرغم من جدّية طرح عون، إلا أنّ آليات اتخاذ القرار في مجلسّي النواب والوزراء تمنع تحويل التحقيق إلى مادّة تفجير للبلد، في ظلّ وجود اقتناع بعدم تشكيل لجنة تحقيق برلمانية للتحقيق بما حصل.
يبقى ملّف واحد، يوحي بأنّه سيكون عنواناً للأزمة السياسية والاقتصادية المقبلة، هو احتمال ردّ المجلس الدستوري قانون الضرائب التي أقرت بهدف تمويل سلسلة الرتب والرواتب.
لا يُعتبر ردّ قانون الضرائب «نزهة» ومن دون تبعات خطيرة. فقد ينعكس ردّ القانون ارتفاعاً هائلاً لعجز الموازنة، وزيادة في الاستدانة، تزامناً مع التصنيف السلبي للبنان من قبل بعض وكالات التصنيف الدولية. أما الانعكاس الثاني، فهو إمكانية مطالبة البعض بتعليق العمل بقانون سلسلة الرتب والرواتب، طالما أنّ الاتفاق داخل مجلس النواب كان قائماً على أن يُقّر مشروعا الضرائب والسلسلة بشكل متوازٍ.
في هذا الوقت، أنهى رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان التقرير حول مشروع موازنة الـ 2017. وقد جرى الحديث عن أنّه يشمل وفراً على الخزينة، بما يُعدّ بديلاً من الضرائب. مثلاً، سيُشطب 151 مليار ليرة من أصل 450 مليار ليرة، من قانون برنامج وزارة الاتصالات، و٤٠٠ مليار ليرة معظمها لجمعيات لا اعتمادات مرصودة لها. والبحث بخفض احتياطي الموازنة من ١٣٠٠ مليار ليرة الى ٨٠٠ مليار ليرة. لكن المشكلة في طرح «حلول» بديلة من الضرائب، تحت عنوان التوفير، هو احتمال فتح الباب لنسف قانون الضرائب، مع ما يعنيه ذلك من إلغاء مفاعيل القرار التاريخي الذي اتخذه مجلس النواب، لجهة فرض ضرائب إضافية على المصارف والشركات المالية والعقارية. فهل يفعلها المجلس الدستوري؟
(الأخبار)