روّجت إسرائيل، عبر مندوبها لدى الأمم المتحدة، لـ«نجاح باهر» حققته والولايات المتحدة في «تعديل» تفويض قوة اليونيفيل في جنوب لبنان، بما يسمح لها، بل ويجبرها، على ملاحقة سلاح حزب الله وتحرك مقاتليه.

سفير إسرائيل لدى المنظمة الدولية داني دانون ذهب بعيداً في تفسير «النجاح الباهر»، مبشّراً الاسرائيليين بأن «تعديل التفويض» من شأنه أن «يغيّر الوضع في الجنوب اللبناني». ولفت إلى أن القوة الدولية «لن تسجّل خروقات حزب الله للقرار 1701 فقط، بل سترسل تقارير فورية بذلك إلى الأمم المتحدة».

منازلة دبلوماسية خاضتها إسرائيل منذ أشهر، ومهّدت لها عبر سلسلة مواقف وتصريحات وتقارير رنانة، مع الولايات المتحدة، وصلت حدّ التهديد بإنهاء مهمة اليونيفيل، والتلويح بالحرب ضد كل مَن في لبنان إن لم يقدم مجلس الأمن على تغيير تفويض القوة الدولية «التي لم تحقق أهدافها»، بحسب التفسير الإسرائيلي لمهمة القوة: محاربة وملاحقة المقاومة ونزع سلاحها.
لكن القراءة المتأنية لنص قرار التمديد لليونيفيل وتعديلاته، وللأهداف الإسرائيلية والأميركية من التعديلات، تظهر حقيقة مختلفة وربما مغايرة، رغم الإصرار الإسرائيلي على «النجاح الباهر».
أولاً: نجح الطرفان، الإسرائيلي والأميركي، في تغيير سياسة مجلس الأمن المتبعة منذ 2006، في التمديد التلقائي لليونيفيل من دون التدخل في نص القرار 1701. إدخال التعديلات، وإن جاءت شكلية وتفسيرية من دون أيّ تعديل في حقيقة وطبيعة الصفات الجوهرية للقرار، يعدّ من ناحية إسرائيل نجاحاً، وهو كذلك، وإن بنظرة نسبية. كذلك، حققت إسرائيل إضافة يمكن أن يبنى عليها لاحقاً، وهي إصدار تقارير مفصّلة، من دون إبطاء، حول ما يحول دون تحقيق مهمة اليونيفيل، بمعنى «خروقات للقرار»، وهو ما يمكّن إسرائيل، مستقبلاً، من أن تفسّرها باعتبارها خروقاً تسبّبت فيها المقاومة.
ثانياً: بناءً على المطلب الاول، حققت إسرائيل إنجازاً. لكن سعة هذا الإنجاز ومداه وفاعليته بعيدة جداً عن توصيفه بالباهر، خاصة إن قيس الإنجاز بالهدف الذي سعت إليه والولايات المتحدة: تحويل اليونيفيل إلى قوة إسرائيلية استخبارية عملياتية، بالوكالة، تكون أكثر إسرائيلية ممّا هي عليه الآن، لتقييد حركة المقاومة والبحث عن سلاحها وعناصرها ومصادرة هذا السلاح إن استطاعت ذلك. يضاف إلى هذا الهدف، وتمهيداً للأسرلة المطلقة للقوة الدولية، أن لا تنسيق، ولا إذن، ولا مواكبة، للجيش اللبناني، في مهمة التصدي للمقاومة، وصولاً إلى تمكين، أو إجبار، القوة الدولية على دخول القرى والبلدات وبيوت اللبنانيين بحثاً عن السلاح وعن المقاومين، في إنهاء مطلق للسيادة اللبنانية.
قياساً بما هدف إليه الطرفان، الإسرائيلي والأميركي، يصغر الإنجاز المحقق إلى حدّه الأدنى. وقياساً بما أريد للتعديلات أن تكون، من الصعب توصيف التعديلات بـ«الإنجاز».
ثالثاً: حاولت إسرائيل والولايات المتحدة تحقيق التعديلات على القرار 1701، والتي عجزت في نهاية المطاف عن إدراجها، عبر التهديد باتجاهين، روّجتا أنهما مترابطان: منع تمديد ولاية اليونيفيل، بمعنى انسحابها من لبنان، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي الى نشوب الحرب الإسرائيلية المدمرة للبنان.
من غير المعلوم منشأ التقديرات الإسرائيلية والأميركية المغلوطة بأن التهديد بسحب اليونيفيل، ومن ثم التهديد تبعاً لانسحابها بالحرب، سيحققان لهما تطويع المعارضة اللبنانية الرسمية، التي ستخشى الحرب وتوافق على الإملاءات، وكذلك معارضة الدول التي تتشكل منها القوة الدولية. قد يكون ذلك عائداً إلى خطأ تقدير العلاقة القائمة بين المقاومة والموقف الرسمي اللبناني، الذي ذهب أبعد ممّا هدّدت به تل أبيب وواشنطن، ولمّح بسحب طلب التمديد لليونيفيل، وهو ما شجّع الدول الاوروبية، وتحديداً فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، على التمسك أكثر بموقفها الرافض للتعديلات، لإدراكها تداعياته بأن تكون قواتها أكثر إسرائيلية مع خطورة مواجهة المقاومة وجمهورها.
رابعاً: ساعد على تقليص، وربما إبعاد، فاعلية التهويل والتهديد بسحب اليونيفيل ومنع تمديد ولايتها، وكذلك التهديد بالحرب الإسرائيلية ضد لبنان، أن هذه التهديدات باتت محدودة التأثير ومفهومة جيداً، ليس من قبل المقاومة وحسب، بل أيضاً من قبل الجانب الرسمي اللبناني، والدول الغربية التي تشكل عماد عديد اليونيفيل. الجميع يدرك أن القوة الدولية لم تكن يوماً، ولن تكون، حائلاً وعقبة أمام حرب تبادر إليها إسرائيل ضد لبنان، إن قررت هي ذلك وسمحت لها موازين القوى. بات الجميع يدرك أن أكلاف الحرب وأثمانها، والعجز عن تحقيق النتيجة، هي التي تمنع نشوبها. وهذا الفهم كان حاضراً لدى الأطراف التي شاركت في المناقشات حول إقرار التعديلات، ومنعت تأثير التهديد وتليين مواقفها، ما فوّت على إسرائيل تحقيق «الإنجاز الباهر».
خامساً: مع ذلك، حققت إسرائيل ما يمكّنها، لاحقاً، من تملّك «مادة إزعاج» لحزب الله، وذخيرة تبني عليها حملة علاقات عامة دولية، وأيضاً محلية، لإظهاره خارقاً للقرار 1701. وهي ذخيرة تصلح لتواكب الحملة المرتقبة عليه، في مرحلة ما بعد انتصاره محلياً وإقليمياً هو وحلفائه، وإفشال مخططات أعدائه. حملة يفترض أن تستعر، في المرحلة المقبلة، وستكون مليئة بالأقوال ومحدودة الأفعال، ومن هنا يمكن توصيفها بالإزعاج.
إلا أن هذه الحملة التي قد تزعج المنتصر، لا تلغي انتصاره، فيما هي تخفف من تبعات هزيمة إسرائيل شكلاً، من دون أن تخفف من التداعيات الفعلية لهزيمتها. حجم انتصار حزب الله، محلياً وإقليمياً، أكبر وأوسع من إزعاج علاقات عامة مقبل، وهو كبير إلى الحدّ الذي لا يضرّ معه إزعاج إسرائيلي.
وكيفما اتفق، يمكن القول إن العجز والتعذر الإسرائيليين عن مواجهة المقاومة، في الوقت الذي لا يمكن لتل أبيب أن تسلم بالواقع المتشكل في لبنان والمنطقة مع تعاظم تهديدها (المقاومة) وحلفائها إقليمياً، يجبراها على تبنّي خيارات محدودة التأثير وشبه منتفية، من حيث النتائج. وإذا أضيفت إليهما صورة الاقتدار التي تريد أن تحافظ عليها إسرائيل أمام جمهورها، فكل ذلك يدفعها إلى توصيف التعديلات الشكلية على مهمة تفويض اليونيفيل، التي لم ترقّ إلى الحد الأدنى ممّا أرادته لها ابتداءً، بـ«النجاح الباهر». وعلى ذلك، لتكن كل معارك إسرائيل الدبلوماسية، كما العسكرية من قبلها، «انتصارات باهرة».