مفجعة كانت «هدية» عيد الأضحى التي تلقاها موظفو ومصروفو «سعودي أوجيه» من مالكها، رئيس الحكومة سعد الحريري. في حديث إلى صحيفة «لو موند» الفرنسية خلال زيارته فرنسا نهاية الأسبوع الفائت، عبّر عن مفاجأته مما «أخبرني به وزير الخارجية (الفرنسي) جان إيف لو دريان من أن موظفي الشركة لم يقبضوا رواتبهم. فوجئت لأني اعتقدت بأن الجميع حصلوا على رواتبهم». وأردف: «سأحل هذه المشكلة لتسوية متأخرات الرواتب. ولا أعتقد أن عدد المعنيين كبير».


عضو لجنة تحصيل حقوق المصروفين من «سعودي أوجيه» جمال العاصي عبّر لـ«الأخبار» عن صدمته «من عدم معرفة الحريري بما يجري في شركته، رغم صراخنا منذ أكثر من عامين للمطالبة بحقوقنا». العاصي، الذي صرف من الشركة قبل أشهر، واحد من حوالى 2500 موظف لبناني و40 ألف موظف عربي وأجنبي لم يحصلوا على رواتبهم منذ أكثر من عام. فيما لم يحصل المصروفون على رواتبهم وتعويضاتهم. يسأل العاصي: كيف لم يسمع الحريري بالأمر، رغم أن وسائل الإعلام المحلية والفرنسية والعالمية أفردت صفحات للحديث عن تفاصيل أزمة أوجيه المالية ومعاناة موظفيها؟»، جازماً بأن الحريري «قصد بكلامه الموظفين الفرنسيين فقط الذين سيحل مشكلتهم» بسبب ضغط الحكومة الفرنسية والدعاوى القضائية المرفوعة ضده في فرنسا من الموظفين الذين هددوا بالحجز على أملاك آل الحريري في فرنسا.


150 مصروفاً وُظفوا في «أوجيرو» و170 في مشاريع تابعة لوزارة الزراعة


ولكن، ماذا عن مصير الآلاف الآخرين، وخصوصاً من اللبنانيين؟
في لبنان، يبدو أن الحريري وجد حلاً لعدد من المصروفين، لكن ليس على حسابه، بل على حساب الدولة. مصادر معنية أكّدت أن العشرات من المصروفين حظوا بفرص عمل في مؤسسات رسمية، لتيار المستقبل نفوذ فيها، أبرزها «أوجيرو». مصدر من داخل المؤسسة أكد لـ«الأخبار» أن مديرها العام الجديد المحسوب على الحريري، عماد كريدية، وظّف أخيراً نحو 300 مياوم، من بينهم أكثر من 150 من المصروفين من «أوجيه» والمؤسسات التابعة لها. وبذلك، وصل العدد الإجمالي للمياومين في هيئة «أوجيرو» إلى نحو 800 شخص. والحديث هنا ليس عن مياومين معرّضين للطرد في أي لحظة. في السياق ذاته، ترددت معلومات من داخل وزارة الزراعة بأن حوالى 170 من المصروفين من مؤسسات أدخلوا كمياومين ومتعاقدين في مشاريع وبرامج تابعة للوزارة لمدة محدودة.
لكن ليس كل المصروفين سينالون التعويض. العاصي لفت إلى أن قيادياً في «المستقبل» عرض عليه التقدم للعمل في «أوجيرو» كمياوم بأجرة يومية تتراوح بين 60 و80 ألف ليرة لبنانية «شرط أن أطلب وساطة رئيس التيار أحمد الحريري». المصادر أكدت أن حظ التوظيف يطال «المقربين من العائلة ومن يرضون عنه ومن يجدون فيه مفتاحاً انتخابياً»، علماً بأن العدد الأكبر من موظفي «أوجيه» هم من معاقل التيار السياسية والمذهبية، عكار وطرابلس أولاً، ثم إقليم الخروب والبقاع الغربي وصيدا.
هذا الحل يشمل المئات. أما آلاف المصروفين، فمنذ أشهر تتكرر وعود إدارة الشركة لهم بأنها سترسل ملفاتهم إلى مكتب العمل السعودي الذي وعد الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز قبل عام بأنه سيدفع الرواتب المتأخرة. في هذا الإطار، انتشرت معلومات بين المصروفين بأن المكتب رد عشرات الملفات بسبب «فضائح فظيعة». وبحسب أوساط المصروفين، تبين أن عدداً من الموظفين هم في عداد الأموات أو تركوا العمل في «أوجيه» منذ سنوات طويلة. أما الفضيحة الأبرز، فهي الرواتب الخيالية لعدد من المديرين والموظفين المحظيين القريبين من آل الحريري، إذ بلغ راتب أحد المديرين 230 ألف ريال سعودي شهرياً (نحو 60 ألف دولار أميركي)!
بعد عطلة العيد في السعودية، من المنتظر أن يتم ترحيل عدد من الموظفين الذين انتهت إقاماتهم على كفالة «أوجيه» منذ أشهر، وأصبح وجودهم غير شرعي، ما عرّضهم للملاحقة القانونية وجعلهم أسرى سجن كبير. بحسب العاصي، من انتهت صلاحية إقاماتهم من زملائه، أصبحوا عاجزين عن التصرف بأي شيء. «من يملك سيارة ورخصة سوق تحجزهما الشرطة، ومن يملك رصيداً مصرفياً يحجزه المصرف، ومن لديه أولاد في المدارس لا تعطيه إداراتها إفادة لتسجيلهم في لبنان. فقدان المال بين أيديهم حوّلهم إلى متسولين بعدما اقترضوا مبالغ طائلة في أوقات سابقة. عجزهم عن دفع فواتير الماء والكهرباء دفع الدولة إلى قطعها عن منازلهم (...)». أما من أنقذوا أنفسهم وعائلاتهم من السجن الكبير وعادوا إلى لبنان قبل أشهر، فقد علقوا في سجن أكبر. العاصي كما العشرات سواه عاطلون من العمل. الديون تلاحقهم. لكن الأسوأ حالاً، المرضى منهم. أحدهم أمضى في الشركة 35 عاماً. في حال قبض تعويضه، يمكنه إجراء عملية زرع طحال يحتاج إليها في أسرع وقت.
العاصي أكد أن اللجنة ستستأنف زياراتها للمسؤولين والتحركات التي بدأتها منذ آذار الفائت. قبل عطلة العيد، زارت وزير العمل محمد كبارة الذي «دافع عن الحريري، وسأل: من أين يأتي بالمال؟». من الأنشطة المرتقبة للجنة خلال الشهر الجاري، مؤتمر صحافي واعتصام مفتوح في خيمة وقطع طرق. لكن لا يبدو أن كل المتضررين سيشاركون في هذه الأنشطة بعدما حصل العشرات منهم على تعويضات، ليس من «أوجيه» ولا من السعودية، وإنما من الدولة اللبنانية، على شكل وظيفة!